فهرس الكتاب

الصفحة 2914 من 7030

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: ومن اشترى مكيلًا ونحوه صح ولزم بالعقد] والأصل في هذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه) ، وهذا النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل القبض، مبني على علل وأسباب دعت إليه، فإنك إذا اشتريت الأرز على أنه مائة صاع، وأخذته قبل أن تكتاله، ربما بان ناقصًا، فبعته للغير على أنه مائة وإذا به دون المائة، هذا وجه.

وعند ابن عباس رضي الله عنهما: أن بيع الطعام قبل القبض فيه ذريعة إلى الربا؛ لأنه إذا لم يقبض الطعام فمعناه أنه قد باع ثمنًا بثمن متفاضل، فمثلًا: لو أن رجلًا اشترى الطعام بألف ريال، على أنه مائة صاع، ولم يكتل ولم يقبضه، ثم بعد ذلك باعه إلى رجل آخر، فمعناه أنه يبيع النقد الألف بألف ومائتين، أو يبيع الذي اشترى به وهو مائة ريال بمائة وخمسين، فيصير كأنه يبيع النقد بالنقد، فأصبحت عندنا علتان، العلة الأولى: ربما باعه فاختلفت صفته عن حقيقته.

الثانية: أنه ذريعة إلى الربا، ثم هناك وجه ثان مبني على أصل شرعي، وهي قاعدة الضمان، حيث إن الضمان يفتقر إلى القبض، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخراج بالضمان) فجعل الربح على من يضمن الخسارة، ولا يمكن أن يضمن الإنسان إلا إذا دخل الشيء في حوزته وملكه، ومن هنا سنبحث في هذا الفصل مسألة: متى يجوز لك أن تبيع السلعة وتتصرف فيها؟ والمسألة التي معنا الآن: مسألة بيع الطعام قبل القبض، يقول رحمه الله: [ومن اشترى مكيلًا ونحوه صح ولزم بالعقد] .

فعندنا أولًا: مسألة صحة البيع.

ثانيًا: لزوم البيع.

ثالثًا: التصرف في المبيع.

فهي ثلاث مسائل: فلو باع رجل دارًا، أو باع طعاما، ً فإننا نحكم أولًا: أن البيع صحيح، ثم إذا حكمنا بصحته، نقول: يلزمك أن تدفع الطعام إلى الرجل أو تدفع الدار إلى الرجل، ونقول للمشتري: يلزمك أن تدفع الثمن للبائع، هذا بالنسبة للزوم.

ثالثًا: متى يتصرف البائع في الثمن ومتى يتصرف المشتري متى يتصرف في المثمن؟ هذه هي المسألة التي يريد المصنف أن يقررها هنا.

فأول ما تبحث في المسائل الفقهية إذا جاءك عقد بيوع، في القضاء أو في الفتوى أن تنظر أول ما تنظر هل البيع صحيح أم لا؟ وهذا يفتقر إلى أن تدرس شروط البيع، وقد بينا هذه الشروط وهي شروط الصحة.

ثم إذا صح البيع، فهناك شيء يسمى اللزوم، واللازم: هو الذي لا ينفك عن الشيء، وقد يطلق لمعانٍ أخرى، مثل (لزامًا) بمعنى العذاب، وقيل: إنه عذابًا ملازمًا: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان:77] أي: عذابًا لا يفارقكم ولا ينقطع عنكم، فأصل الملازمة عدم المفارقة، وملازمة الشيء بالشيء، مصاحبته له على وجه لا يفارقه.

وأنت تجد العلماء يقولون في العقود المالية، كالبيوع والإجارات والشركات: عقود صحيحة، وعقود لازمة، وعقود نافذة، وعقود موقوفة، وعقود باطلة.

فإذا قالوا: عقد صحيح، فضده الفاسد والباطل، على تفصيل بين الجمهور والحنفية، فالصحيح هو الذي تترتب عليه الآثار المعتبرة شرعًا، فإن قلت: بيع صحيح فمعناه أنه تترتب عليه الآثار الشرعية المترتبة على كل بيع صحيح.

وإن قلت: إجارة صحيحة، فمعناه أنها تترتب عليها جميع الآثار المترتبة على الإجارات الصحيحة، والصحيح لا يمكن أن تصححه إلا إذا وافق الشرع.

وضد الصحيح: الباطل والفاسد، فيقال: هذا باطل أو فاسد، أي: لا يترتب عليه أثر، ويحكم بانفساخه، بمعنى أنك لا تملك العوض، فلو بعت سيارة بيعًا فاسدًا بعشرة آلاف ريال، وقبضت العشرة آلاف ريال، فليس من حقك أن تتصرف في العشرة آلاف، وليس من حق المشتري الذي أخذ السيارة أن يتصرف في السيارة، بل يجب رد الثمن والمثمن، فلا تترتب الآثار الشرعية، إذا كان فاسدًا.

وهناك ما يسمى باللزوم، والإلزام، والعقد اللازم: هو الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه دون الآخر، والبيع عقد لازم.

والدليل على أن البيع عقد لازم: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] دلت هذه الآية الكريمة على أنه إذا وقع العقد وهو الإيجاب والقبول، يجب الوفاء به، والبيع عقد.

فـ (من باع مكيلًا ونحوه صح) أي: من باع شيئًا مكيلًا من الحلال الذي يباح بيعه كأرز وبر ودخن، وعدس.

ونحو ذلك مما يكال.

ونحو المكيل: الموزون والمعدود والمذروع.

والموزون هو الذي يكون بالجرامات، أو بالأطنان، مثل البرتقال والتفاح والموز، فهذا موزون بالجرام، فلو باع مثل هذه الموزونات صح.

والمعدود مثل القطع التي تباع بأعدادها، كقطع (الأبلكاش) ، والدواب، والسيارات، فهذه كلها معدودات تباع بالعدد، فتقول: أعطني سيارة سيارتين بعيرًا بعيرين شاة شاتين، فهذه كلها مبيعات بالعدد، ولا تباع الشاة بالوزن، ولا يصح بيع الشياه بالوزن.

وكذلك أيضًا إذا باعه بطيخًا فيمكن أن يباع عددًا، وممكن أن يباع وزنا، ً فيجتمع فيه الوصفان، وكذلك أيضًا: يكون البيع بالذرع، مثل القماش، فالقماش يباع بالعدد ويباع بالذرع، وإن كان الأصل فيه الذرع، فيقول: أبيعك مترًا مترين ياردًا ياردتي، ن أو مائة ياردة، فهذا كله بالذرع.

وكذلك المخططات من الأراضي والعقارات، بالذرع، تقول: أبيعك (20×20) (30×30) ونحو ذلك، فهذا كله يباع بالذرع.

إذًا: عندنا مبيع بكيل ووزن وذرع وعدد.

فقال رحمه الله: [من باع مكيلًا ونحوه صح] لأن الشرع أذن بهذا كله، فقال الله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] ولم يفرق بين بيع المكيل والموزون والمعدود والمذروع، فيصح بيع الكل؛ ولأنه ثبتت الأدلة بجوازها دون تفصيل وتفريق بينها.

وقوله: (صح) هذا الحكم الأول، أي: إذا كان مستوفيًا لشروط الصحة، بأن يكون عين المبيع مباحًا، ولا يكون عين المبيع محرمًا كميتة وخنزير ودم ونحو ذلك.

(ولزم بالعقد) أي: لزم الطرفين، واللازم -كما قلنا- هو الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه دون الآخر.

فعندنا إلزام، وعندنا تصرف.

فإلزام الطرف يكون بالعقد، وهو الإيجاب والقبول، فلو قلت لك: بعتك بيتي الفلاني في المكان الفلاني بعشرة آلاف، فقلت: قبلت، فالإيجاب والقبول وقع، لكن الصيغة التي هي الإيجاب والقبول لا تكفي وحدها في البيع كما ذكرنا، بل يتوقف الأمر على الافتراق عن المجلس، فإذًا: صح العقد بشرطه، وهو الافتراق عن المجلس.

فإذا قلت لك: بعتك بيتي بعشرة آلاف، وقلت: قبلت، فحينئذٍ يلزمك أن تدفع العشرة آلاف، ويلزمني أن أدفع البيت.

وعلى هذا: (صح ولزم بالعقد) ، فـ (الباء) سببية، أي: بسبب العقد، أو مصاحبة أي: لزم بمجرد انتهاء العقد، وهو الإيجاب والقبول.

فإن الباء لها معانٍ منها: المصاحبة.

ومنها السببية.

فتقول: أتيت بمحمد، بمعنى: مصاحب له.

تعدّ لصوقًا واستعن بتسبب وبدل صحابًا قابلوك بالاستعلا وزد بعضهم ظرفًا يمينًا تحز معانيها كلها للباء اثنا عشر معنى، منها المصاحبة، فهنا لما قال: (صح ولزم بالعقد) ، فالباء هنا للمصاحبة، أي: أن الإلزام مصاحب للعقد الصحيح في البيع فإذا صح عقد البيع، فإننا نقول: بالإلزام للطرفين.

والالتزام هو المبني من الصيغة، فهناك فرق بين الإلزام والالتزام، فالإلزام يكون أثرًا عن الإيجاب والقبول، والالتزام ينشأ أثناء الإيجاب والقبول.

فالالتزام ينشأ من الطرفين، تقول: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، أي: التزمت لك إن دفعت العشرة أن أعطيك السيارة، وأنت أيضًا تقول: قبلت، أي: التزمت أن أعطيك العشرة آلاف إن أعطيتني السيارة، فهذا يسمى التزامًا.

وفرق بين الإلزام وبين الالتزام، فالإلزام يكون من الشرع، والالتزام يكون من الطرفين المكلفين، فهذه جهة المكلف وهذه جهة المشرع سبحانه وتعالى.

قال رحمه الله: [ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه] : عرفنا أن العقد صحيح، وبعد أن تثبت أن العقد صحيح تبني عليه أنه لزم الطرفين، فإذا لزم الطرفين، فهل حق المشتري أن يتصرف؟ فمثلًا: جاءني رجل وقال: عندي عمارة في موقع كذا وكذا، ووصفها لي وصفًا تامًا، وأعطيته الثمن، وذهبت ورأيت العمارة فأعجبتني، لكنه لم يعطني مفتاحها، ولم يسلمها لي تسليمًا كاملًا، فحينئذٍ تم الإيجاب والقبول، واستلم مني المائة ألف أو المليون، ولكني لم أقبض العمارة إلى الآن، فهنا شيء يسمى القبض والاستيفاء، فالشريعة لا بد أن تبت في مسألة انتقال الملكية ومتى يحكم بانتقال الشيء إلى ذمتك وملكيتك؟ صحيح أنه بالعقد التزمت والتزم، وصار بينكما الإلزام، فقد يتوهم متوهم إنه بمجرد العقد يحصل التملك وتترتب على ذلك آثاره.

وهذا غير صحيح.

فلو أن رجلًا دخل البقالة، فرأى علبة من طعام (مربى) أو غيرها، فقال: بكم هذه؟ قال: بخمسة، قال: اشتريت، فأعطاه الخمسة، فلما أراد الرجل أن يأتي بالعلبة، وضع السُّلم فتحرك الرف فسقطت الزجاجة وانكسرت، فقال له: خذ زجاجتك المكسورة، قال: يا أخي! أنا لم أستلم، قال: لكنك قد اشتريت ودفعت الخمسة، والإيجاب والقبول يقتضي الملكية لك، فأنت الذي تملكها وأنا لا أملكها.

فهنا مسألة وهي مسألة الاستيفاء ومتى نحكم بانتقال الشيء إلى ذمتك وعهدك، بحيث تتحمل المسئولية عنه، سواء كان في الأطعمة أو كان في العقارات أو المنقولات أو غيرها، وذلك ما يسمى بالقبض.

فلا يحكم بتحملك للمسئولية في الشيء إلا بعد قبضه، كما أنه لا يجوز لك بيعه والتصرف فيه إلا بعد القبض، فهذه العمارة إذا أردت أن تبيعها لا بد أن تقبضها أولًا، لماذا؟ لأنك إذا قبضتها فقد صارت إلى ذمتك، فلك غنمها وعليك غرمها، أما أن تدع العمارة عند غيرك، بحيث لو جاء عليها ضرر كان هو الذي يتحمل ذلك، ثم تبيعها أنت بأرباح، فهذا فيه ظلم.

ففي بعض الأحيان، تبيع الشيء ويتركه المشتري عندك، كأن يبقى في مستودع عندك، فيحملك أعباء حفظه، والقيام عليه، ورعايته، فيحتاج إلى حراسة، وتخشى عليه السرقة والآفات، فحي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت