فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 7030

كيفية صلاة العاري منفردًا

قال المصنف رحمه الله: [ويصلي العاري قاعدًا بالإيماء استحبابًا فيهما] .

بعد أن بين الحالة الأولى، وهي التي تتعلق بالإنسان الذي لا يجد السترة من طَوْلِه ومن ماله ووجدها من الغير بين الحالة الثانية، وهي ألا يجد أحدًا يتبرع له بالسترة، ولا يمكنه أيضًا ستر أحد الفرجين، فقال رحمه الله: (ويصلي العاري قاعدًا) ، فلو أن هذا الشخص الذي لا يجد السترة لم يجد من يعطيه سترة أو يعيره السترة، وليس عنده ما يستر به أحد الفرجين فللعلماء في الإنسان العاري إذا أراد أن يصلي وجهان: فمنهم من قال: يصلي قائمًا، ومنهم من قال: يصلي قاعدًا.

وصورة المسألة: لو أن إنسانًا غرق، أو جماعةً انكسرت بهم السفينة، فخرجوا وأصبحوا عراةً، أو نزلوا في موضعٍ احترقت عليهم ثيابهم، ولم يجدوا ما يستروا به عوراتهم، فأهل القول الأول قالوا: إذا اجتمعوا أو انفردوا فإنه يصلي الإنسان في هذه الحالة قاعدًا، ووجه هذا القول أنهم قالوا: إنه إذا صلى قاعدًا فات حق الله عز وجل في القيام، وإذا صلى قائمًا فات حق العبد بانكشاف عورته وتضرر فتعارض الحقان، والقاعدة أن حقوق الله أوسع من حقوق العباد، فإذا تعارض الحقان قدم حق العبد على حق الله لا من جهة التفضيل، ولكن من جهة الرحمة واللطف، ولذلك من اضطر في سفر إلى مخمصة وأصابته المجاعة فإن حق الله ألا يأكل الميتة، وحق نفسه أن ينقذها، فقُدِّم حق النفس على حق الله من جهة الرحمة والتوسعة من الله على عباده.

فيقولون: إن العاري لو قلنا له: صلِّ قائمًا تضرر بحق نفسه بانكشاف عورته وبدو سوءته، وقد سمَّى الله العورة سوءة قال تعالى: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه:121] .

فأخبر سبحانه وتعالى أن العورة سوءة، قالوا: سميت سوءةً؛ لأنها تسيء إلى صاحبها عند انكشافها.

والقول الثاني: يصلي قائمًا ولا يصلي قاعدًا؛ لأن الله تعالى قال: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) ، وقال لـ عمران: (صل قائمًا) .

فالأدلة ملزمةٌ بالقيام، قالوا: فإذا قلنا له: اجلس لمكان انكشاف العورة فإننا نقدم الشرط على الركن، والقاعدة أنه إذا ازدحم الشرط والركن قُدِّم الركن على الشرط، فإن القيام ركن، والجلوس من أجل ستر العورة تحصيل للشرط، والذي تطمئن إليه النفس أن الإنسان إذا لم يجد ما يستر به عورته يصلي قائمًا، لأمور: أولًا: للأدلة التي دلت على لزوم القيام.

ثانيًا: أن قولهم بأنه يجلس ولا يقوم إنما هو تقديمٌ للشرط على الركن، والقاعدة أن الأركان مقدمةٌ على الشروط، وهذا بدليل الشرع، فإن الأركان أَلْزَم؛ لأنها تعود إلى حقيقة الصلاة وماهيتها.

ثالثًا: أن فقه المسألة أن الإنسان إذا صلى قائمًا فإنه ليس بمخلٍ من نفسه؛ لأن الله كلَّفه أن يستر عورته عند القدرة، ولا قدرة له على الستر.

فبقي نظر الغير إليه يتعلق إثمه بالناظر، فالله لم يكلفني نظر الغير؛ لأنني إذا لم أجد الطّول فغيري هو الآثم بالنظر، وأصبح التكليف بغض النظر متعلقًا بالغير لا بالمكلف، ولذلك يقوى القول بأنه يُصَلِّي قائمًا، ولا يصح منه أن يصلي جالسًا لما ذكرناه.

وقوله: (استحبابًا) أي: لا نوجب عليه ذلك، ومعناه أنه لو صلى قائمًا صحت صلاته، وخلاصة القول: يصلي قائمًا حتى نخرج من الخلاف؛ لأن من قال: (يصلي قاعدًا) لا يُوجِب القعود، وإنما قال: (استحبابًا) أي: لا حتمًا ولا إيجابًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت