قال: [والعدالة] العدالة: الاستقامة، والعدل: الوسط، والوسط هو العدل أيضًا، ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143] أي: عدولًا خيارًا، وقالوا: إن الشيء عدل؛ لأن ضد العدل المعوج، وإذا اعوج إما أن يذهب إلى اليمين أو يذهب إلى الشمال، فإذا اعتدل قالوا: عدل، ولما كان طرفا النقيض هما الضرر -الإفراط والتفريط- جاء العدل بينهما، ولذلك قالوا: العدل -الشخص العدل- هنا ليس المراد به الوسطية المطلقة يعني: مثلًا عندنا فاجر بلغ نهاية الفجور، وفاجر في بداية الفجور، فهل نقول: هذا وسط بين الاثنين، لا.
الوسط هنا أن الحق نفسه وسط؛ لأن الحق يأتي دائمًا بين الإفراط وبين التفريط: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7] ، يأتي دائمًا وسطًا.
فالعدل يوصف به الشخص، والعدل هو الذي يجتنب الكبائر ويتقي في أغلب أحواله الصغائر، قال الناظم: العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الأغلب الصغائر إذًا له وصفان: الوصف الأول: أن لا يقع في كبائر الذنوب وهي المحرمات الكبيرة كالقتل وعقوق الوالدين ونحوها من المحرمات، هذه الكبائر إذا فعلها سقطت عدالته.
الوصف الثاني: أن يجتنب في أغلب أحواله الصغائر، وهي صغائر الذنوب، يعني: تنظر في أغلب أحواله أنه على الطاعة والخير والاستقامة ولا يفعل المحرمات، لكن لا يوجد أحد يسلم من صغائر الذنوب كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما) فاللمم وصغار الذنوب لا يسلم منها أحد، ولذلك قال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم:32] فاللمم لا يسلم منه أحد، لكن يُنظر إلى غالب حاله، فإن كان غالب حاله أنه يتقي الصغائر فهو عدل.
فلابد وأن يكون وليها عدلًا؛ لأن ضد العدل الفاسق، والفاسق: من فسق الرطب إذا خرجت عن قشرها، ويقولون: الفاسق هو الذي خرج عن طاعة الله عز وجل، ويخرج بارتكاب الكبائر كما ذكرنا أو الإصرار على الصغائر، فلا يلي الفاسق الولاية في قول طائفة من العلماء، قالوا: لأن الفاسق فيه جرأة على حدود الله عز وجل، وإذا كان جريئًا على حدود الله وضيع حق الله فمن باب أولى أن يضيع حقوق عباده، ولكن في المسألة تفصيل، فبعض العلماء يقول: الفاسق يلي عقد النكاح، ويمكن أن يزوج بنته بشرط أن يكون فسقه بعيدًا عن الولاية، قالوا: فإننا وجدنا الرجل تقع منه محرمات مثل القذف، فلو أنه قذف يحكم بفسقه، ومن قذف رجلًا أو قذف امرأة فإنه فاسق، لكن تجده من أعدل الناس في أموره الأخرى، ولا يمكن أن يتنازل، ولا يمكن أن يخون أمانة، وتجده من أوفى الناس في أمانته، لكن هل كونه فقط قذف لا يقبل منه شيء نهائيًا؟ قالوا: لا.
ما دام أنه فسق خارج عن الولاية وليس له تأثير في الولاية نقبله، لكن إذا كان فاسقًا وفسقه يسري إلى الولاية، وهذا يرجع إلى النظر، فإننا نجد بعض الآباء وبعض الأولياء عندهم تقصير، ولكنه إذا جاء يلي أمور أبنائه وبناته يليها في بعض الأحيان أفضل من غيره ممن هو دين ومطيع، وهذا مجرب وموجود، فتجده ينصح، ويذهب ويسأل عن الرجل ويتحرى عنه، وعنده حمية وعنده فطرة ومحبة للخير لأبنائه، فمثل هذا لا يضره فسقه على نفسه، وشره على نفسه لا يتعدى إلى الولاية، فمثل هذا يقبل وليًا ولا يضر ولا يؤثر.
لكن إذا كان شخصًا معروفًا بالتهتك وبالجرأة وبالإضرار بمصالح أولاده، ولربما يغيب عن بيته الزمن الطويل، يعني: مثلًا إذا ثبت عند القاضي أن هذا الرجل يغيب بالثلاثة أشهر والأربعة أشهر عن بيته ويتركهم بلا طعام وشراب، هل مثل هذا يؤمن على تزويج بنته؟ إذا كان ترك البيت بكامله وضيع حقوقه بكامله أفلا يضيع حق امرأة؟ يمكن أن يجامل شخصًا شريرًا مثله فيزوجه بنته، فمثل هذا لا يقبل وليًا؛ لأن فسقه سارٍ إلى الولاية، فإذًا: لابد من التفصيل، وهذا أمر يرجع إلى القضاة، ومنهم النظر -كما ذكر العلماء رحمهم الله- فيمن تقبل ولايته ومن لا تقبل.
فائدة الخلاف: لماذا يشترطون العدالة وعدمها؟ يعني لو فرض مثلًا: أن ولي امرأة كانت فيه هذه الملاحظات وأراد أن يزوج بنته من رجل لا يصلح، وعلم أخوها الشقيق أو علم عمها الشقيق الذي هو وليها من بعده، فذهب إلى القاضي وقال: فلان يزوج بنته من فلان، وفلان معروف بالفسق وكذا وأيضًا يضيع حق هذه البنت، فإن الرجل الذي اختاره ليس بكفء، فإذا ثبت عند القاضي هذا نزع ولايته، ونقلها إلى من هو أولى منه بالولاية ممن توفرت فيه الشروط.
قال رحمه الله: [فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها] الفاء للتفريق، ونحن دائمًا نقول: الفقهاء يذكرون الشروط ثم يذكرون مفاهيم الشرط، فلا تزوج المرأة نفسها لما أثبت الولاية، فإذا ثبت أن الولي يلي عقد المرأة فمعنى ذلك أنها لا تزوج نفسها وأيضًا لا تزوج غيرها، فلا تلي عقد نفسها ولا تلي عقد غيرها.