والحالة الثانية: تكون الخسارة بعد الدخول في التجارة.
وإذا كانت بعد الدخول في التجارة: فتارةً تكون الخسارة مباشرة: يعني: بمجرد دخوله وبيعه وشرائه تنكسر البضائع ويكسد السوق وتحصل الخسارة إما بانكسار بعض البضائع دون بعض، أو بانكسار كل البضائع.
مثال الأول: أن يشتري طعامًا وقماشًا، فالطعام يربح، والقماش ينكسر على وجه يأخذ ربح الطعام وزيادة، فحينئذٍ تكون الخسارة في الأمرين.
فإن كانت الخسارة والعروض قائمة والعقد على عرض معين، فحينئذٍ لا إشكال، ويكون الواجب كالآتي: يبيع هذه الأعيان ويجب على العامل أن يبيع، فلا يقول العامل: أنا ليس لي مصلحة في هذه المضاربة، بل إنها خسارة، وهو واثق أنه سيخسر؛ لأن العامل لا يأخذ شيئًا إلَّا إذا ربح، فإذا علم أن السيارات خسرت قد يعترض ويقول: لا أريد أن أبيعها؛ لأنه لا مصلحة لي في البيع، فيُلزم شرعًا بتصريف البضائع وبيعها وتنضيض المال، أي: رده بالنقدين، فلو قال له رب المال: بع السيارات، وامتنَع، أجبره القاضي على البيع، وألزمه بالجلوس في المحل وتصريف البضائع تصريفًا على الوجه المعروف ولا يضر برب المال من هذا الوجه؛ لأنه دخل على أساس أن يتحمل مسئولية المتاجرة، فيبيع ويشتري رابحًا وخاسرًا.
إذًا: في حالة شراء الأعيان إذا كان العامل امتنع عن بيعها بعد كسادها وخسارة سوقها، يُلزم شرعًا بذلك، فلو امتنع العامل امتناعًا كليًا، وقال: لا أبيع مهما كان الأمر، ومهما كلفني الأمر، فزجره القاضي ووعظه وخوفه بالله أن الأصل في العقد بينهما يحتم عليه ذلك، فإن قال: لا أبيع، وامتنع امتناعًا كليًا، في هذه الحالة يقيم القاضي شخصًا يبيع السلع ويبيع البضائع ويلزمه بدفع أجرة ذلك الشخص.
إذًا: في حال الكساد والخسارة لو امتنع العامل وقال: لا مصلحة لي، ولا أبيع شيئًا فيه خسارة لا حظ لي فيه، وهذا سيأخذ مني شهورًا أو يأخذ مني وقتًا.
نقول: ليس من حقك ذلك، بل إن أصل الاتفاق بينك وبين رب المال يحتم عليك أن تقوم بتصريف البضاعة كما اشتريتها، هذا بالنسبة لحال الأعيان.
قد تحصل الخسارة بعد الدخول في البيع والشراء: وهذه تأتي على صورة، كأن يقوم صاحب المال ويعطي للمضارب مالًا كأن يعطيه مائة ألف ويتنوع في البضائع، وتحصل الخسارة كما ذكرنا، في بعض البضائع دون بعض، فتُجبر البضائع بعضُها ببعض، مثال ذلك: لو أعطاه مليونًا، فجعل نصف المليون في السيارات، ونصفها في الأراضي، فالنصف الذي في السيارات خسر النصف، فأصبحت السيارات تباع بمائتين وخمسين، والنصف الذي في الأراضي والعمائر والدور ربح مائتين وخمسين ألفًا فيُضم ربح هذا إلى خسارة ذاك، ونوجب على العامل رد المليون كاملةً إلى صاحب المال.
ولا يقول: إنني ربحت في هذا فآخذ، أو خسرت في هذا ولا أتحمل، بل نقول: المال واحد، والمضاربة واحدة.
لكن لو أنه قال له: هذه خمسمائة ألف ضارب بها، فدخل بها في الأراضي، ثم جاءه بخمسين ألفًا ثانية، فدخل بها في الطعام، فالتي في الأراضي خسرت، والتي في الطعام ربحت، على أنهما منفصلين كالشخصين، كان للعامل ربح الثانية، ورد المال الخاسر في العقار إلى رب المال، مثال ذلك: أعطاه مليونًا وقال له: هذه -مثلًا- خمسمائة ألف اضرب بها في الأرض، فذهب واشترى بها قطعتين من الأرض كل قطعة بمائتين وخمسين، فخسر في هاتين القطعتين، وأصبحتا تباعان بنصف القيمة، وأصبح المبلغ الذي تبقى من التجارة ومن المضاربة في الأراضي هو مائتان وخمسون، يعني: على نصف القيمة ورأس المال، فلو أنه وهو يتاجر في الأراضي أعطاه المائتين والخمسين الثانية، وقال: اضرب بها في تجارة أخرى، يعني: هذه عقدها منفصل عن عقد الأولى، فأخذ الخمسمائة ألف الثانية وضرب بها في الطعام -كما ذكرنا- فربح في الطعام ما يعادل مائتين وخمسين، فتصبح تجارة الطعام صفت على سبعمائة وخمسين ألفًا، خمسمائة رأس المال، ومائتان وخمسون الربح، فنقول: هذه المائتان والخمسون لا يُجبر بها كسر الأرض؛ لأن المضاربة الثانية خلاف المضاربة الأولى، كالمضاربة بين شخصين، ويكون حينئذٍ الربح في الثانية مستحقًا على ما اتفقا عليه، وللعامل حظه ونصيبه، ويرجع في مضاربة الأرض فيرد رأس المال ناقصًا نصفه، ويكون الغرم على رب المال وحده، هذا في حالة ما إذا انفصل عقدا المضاربة في حال الخسارة وحال الربح.
إذًا: نقول: إذا أعطاه مال المضاربة مالًا واحدًا بعقد واحد فلا إشكال، فلو ربح بعض هذا العقد وخسر البعض يوفق بين الكل وننظر النتيجة، هل فيها ربح أو خسارة؟ فإن كان فيها ربح قسم بينهما على ما اتفقا، وإن كان فيه خسارة فإنه يرد لرب المال ماله، وأما إذا أعطاه المال فجزَّأ، أي: أعطاه جزءًا مضاربةً ثم أنشأ مضاربة ثانية فحصل ربح في الأولى دون الثانية، أو العكس، لم يُجبر خسران هذه بربح تلك، فتكون كل مضاربة على ما اتفقا عليه.
وعلى هذا يكون هناك عقدان للمضاربة، فما حصل فيه النماء والربح قسم الربح على ما اتفقا، وما حصل فيه الخسران رد فيه العامل المال إلى ربه، ولا يقسم الربح إلا بعد رد رأس المال.
وبناءً على هذه المسألة تترتب مسائل، فنقول: أولًا: الأصل الشرعي يقتضي أن العامل لا يطالب بربح إلا بعد أن يصفى مال المضاربة، فتباع جميع الأعيان وهو تنضيض المال، فلا يأتِ عامل -مثلًا- أعطيتَه مليونًا فاشترى خمس عمائر، فأصبحت بخمسة ملايين، فيقول لك: أعطني ربحي الآن.
فتقول له: لا.
حتى تبيعها، وتحضر لي الخمسة ملايين، وبعد ذلك تأخذ حقك وآخذ حقي.
فلا تحصل القسمة، ولا يطالب لا رب المال ولا العامل بشيء من الربح إلا بعد تنضيض المال، فنقول له: بِعِ المال، حتى ولو كان الآن رابحًا، فإنه يجب عليك البيع، ثم بعد البيع والتصفية، يكون الحكم كالآتي: فلو أنه أعطاه مليونًا على أن يضرب بها في تجارة الأطعمة، فدخل في هذه التجارة، وربح (100 %) وأصبح المليون مليونين، فلما جئنا ننظر إلى الأراضي التي هي للشريكين، وإلى السيارات، وإلى الطعام الموجود، وجدناه يعادل المليونين، فمعناه أن المضاربة ربحت مثلها، فلا نقول مباشرة: العامل له خمسمائة ألف، بل نبدأ ونقول: بِعْ هذه الأعيان.
فتُباع الأراضي؛ لأنه لو أعطاه مليونًا يحتاج -مثلًا- إلى أرض يبني عليها لتجارةٍ ما، أو اشترى عمارةً، أو اشترى دكاكين يبيع فيها، أو استأجر، فنقول أول ما نقول: يجب تصفية المال برد الحقوق، فتُباع العقارات، وتباع وتصرف العروض من الأطعمة والأقمشة أو غيرها، وبعد تنضيض المال ووجود السيولة ننظر إلى الديون المستحقة على المضاربة، فتُسدد الديون، وتُفَك الرهون إذا كان هناك أعيان مرهونة، كسيارات ونحوها، وبعد فك الرهون ورد الحقوق وإعطاء الأجرة للعمال، وتصفية الحقوق كاملة، بعد هذا كله نقول: اقسم.
فلا نقول -مثلًا-: لو أنه باع أعيان أو عروض الشركة -شركة المضاربة- بمليون والشركة في الأصل كانت بخمسائة ألف، فالخمسمائة ألف الزيادة لا تقسم إلا بعد معرفة الحقوق الواجبة، هل هناك حقوق وديون أو لا؟ فلو فرضنا -مثلًا- أن عندنا عشرة من العمال استغلهم هذا المضارب والعامل أثناء التجارة والعمل، وكل عامل له عشرة آلاف، فهذه خمسون ألفًا دَين على المضاربة، ولا يمكن أن نحكم بالقسمة حتى تسدد ديون العمال وتسدد فواتير وأجرة المحلات، وحينما يُسدد جميع الحقوق المستحقة على شركة المضاربة، بعد ذلك تكون الخطوة الثانية، وهي: رد رأس المال إلى ربه وصاحبه.
فيُبدأ أول شيء برد رأس المال إلى صاحبه، فإذا كان دفع له مليونًا وربح مليونًا، نقول: ادفع أولًا المليون الأولى التي هي رأس المال إلى صاحبها، وبعد رد المليون إلى صاحبها يُقسم ما بقي وفَضَل عن رأس المال على الوجه الذي اتفقا عليه، إن كان مناصفةً فمناصفةً، وإن كان أثلاثًا فأثلاثًا، إلى آخره.