فهرس الكتاب

الصفحة 2897 من 7030

قال رحمه الله: [فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ] : انظر كيف يرتب المصنف الأفكار: فعندما تكون السلعة قائمة يجب الرد، وإذا تلفت السلعة وجبت القيمة، لكن إذا اتفقا على صفات الطعام، ثم من عادة الفقهاء رحمهم الله أنهم إذا أعطوا حكمًا ذكروا ما يترتب عليه، وهذا من فضل الله عز وجل عليهم، وهذه الكتب ألفها علماء، وهؤلاء العلماء منهم من يؤلف بعد أن يتعلم ويعلم ويقضي ويفتي ويدرس، فهي حصيلة خبرة ومعرفة طويلة، وفي الأزمنة القديمة كان التأليف حجرًا على العلماء الذين هم أهل التأليف؛ لأنه لو ألف من ليس بأهل كشف عواره، فكان لا يستطيع أحد أن يكتب متنًا، أو يؤلف إلا بعد أن يكون أهلًا لذلك، فهو يذكر لك الأمور مرتبة؛ لأن خبرة القضاء والفتوى تكسب المرء مهارة في الترتيب.

والقسمة العقلية للترتيب هنا: إما أن يكون المبيع موجودًا، أو غير موجود.

فإن كان موجودًا ترادا.

وإن كان غير موجود ينظر إلى القيمة، لكن لو نظرنا إلى القيمة فقال البائع: الطعام من النوع الجيد، وقال المشتري: هو من النوع الرديء، فما الحكم؟ لأنهما إذا اتفقا على صفة فلا إشكال فلو قال: اشتريت منه حليبًا من نوع كذا، وهذا الحليب الذي اشتراه منه قيمته في السوق عشرون ريالًا، فيلزمه أن يدفع العشرين، لكن لو ادعى البائع حليبًا جيدًا والمشتري حليبًا أردأ منه أو أقل جودة، فما الحكم؟ فقال رحمه الله: [فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ] .

أي: إذا اختلفا في صفة السلعة، فقول مشترٍ، فالخلاف بين البائع والمشتري، فإن كان المشتري هو المدعي طولب بالبينة، ويكون القول قول البائع، وإن كان البائع هو المدعي فالقول قول المشتري، ويطالب البائع بالبينة.

فالآن مثلًا: إذا جاء اثنان واختلفا في صفة السلعة، فقال البائع: بعتك سيارة جيدة من نوع كذا وكذا، وقال المشتري: بل رديئة من نوع كذا وكذا، فالقول قول المشتري؛ لأنهم متفقون على أن ذمة المشتري ملزمة بقيمة الرديئة.

فمثلًا: السيارة الرديئة قيمتها عشرة آلاف، والسيارة الجيدة قيمتها خمسة عشر آلفًا، فإذا قال له: بعتك سيارةً بقيمة خمسة عشر ألفًا، وقال المشتري: اشتريت سيارة بقيمة عشرة آلاف، فعندنا يقين أن المشتري في ذمته عشرة آلاف؛ لأن الخمسة عشر ألفًا تتضمن العشرة آلاف، فنحن على يقين من العشرة آلاف، لكننا نشك في الزائد على العشرة آلاف وهي الخمسة الزائدة المختلف عليها.

فالقول قول المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه أمرًا زائدًا، فنحن على يقين بالعشرة آلاف، وهو القدر الأقل، فيطالب البائع بالبينة على الزائد، وإلا فالقول قول المشتري؛ لأن اليقين في الأقل، والشك في الزائد، فيكون القول قول من يدعي الأقل، ومن يدعي الأكثر والزائد يطالب بالبينة والدليل على أن الأمر زائد على ما اتفقا عليه.

وهذا ما اختاره المصنف رحمه الله؛ وهناك من يقول: القول قول البائع، وهناك من يسقط القولين، ويرجع إلى قيمة المثل.

وبعض العلماء يختار الرجوع إلى السوق، فيقول: إذا قال المشتري: بعشرة آلاف، وقال البائع: بخمسة عشر، وجئنا نبحث في السوق ووجدنا أن السلعة تباع بعشرة آلاف، يقول: فإننا نجد السوق يشهد بصدق قول المشتري، وهذه يسمى (شهادة العرف) ، فإذا كان السوق يشهد بقول المشتري، فحينئذٍ يصبح البائع مدعيًا.

وإن كان العرف يشهد بقول البائع يكون المشتري مدعيًا، ولذلك يقولون: شهادة العرف تجعل من شهدت له مدعىً عليه، ولذلك قال: فالمدعي من قوله مجرد من أصل او عرف بصدق يشهد فقوله: (من أصل او عرف بصدق يشهد) أي: أنه إذا جرى العرف ببيع مثل هذه السلعة بعشرة آلاف والبائع قال: بعتك بعشرة، فإنه حينئذٍ يكون العرف شاهدًا لقول البائع، لكن هذا الضابط الذي ذكروه قد يقوى في مسائل القضاء، وقد يضعف هنا؛ لأنه غالبًا ما يكون التبايع بين الطرفين فيه شيء من الرضا، فمع المكاسرة يخرجان عن العرف، وكثيرًا ما يخرج البائع والمشتري عن العرف بسبب المزايدة والمكاسرة، فقد يشهد العرف بخمسة عشر، لكن المشتري كاسر إلى عشرة، فحينئذٍ لو اعتبرنا العرف شاهدًا على هذا الوجه لكان مشكلًا.

وإنما قالوا: القول قول المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه غرمًا، والغارم دائمًا يكون مدعىً عليه؛ لأنه متهم، فإن شئت أن تخرجها على أن اليقين عشرة آلاف والزائد محل شك، فهذا وجه لكي تجعل المشتري مدعى عليه.

وإن شئت فخرجها على أن المشتري غارم؛ لأنه مطالب بالزيادة، والقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءته من المطالبة.

وإن شئت أن تجعلها من جهة كون الأصل واليقين بالعشرة والزائد فيه شك فيلغى الشك ويبقى على اليقين، فإنه وجه صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت