قال رحمه الله: [ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال] إذا تزوج الرجل من امرأة، وعقد عليها وسمى لها صداقها حالًا أي: نقدًا، فقال: مهرك -مثلًا- ثلاثون ألفًا أدفعها نقدًا، أو قال: ثلاثون وسكت، فإذا سكت وجب دفعها نقدًا؛ لأن المؤجل خلاف الأصل؛ فإذا اتفقوا على الثلاثين ألفًا ولكنه لم يحضرها، فمن حقها أن تمتنع من تمكينه من نفسها، ومن حق أوليائها أن يمنعوه حتى يدفع المهر؛ لأن مقاطع الحقوق عند الشروط.
فإذا سكتوا على كون المهر مسمىً بدون تأجيل وجب تعجيله، وهذا أشبه بالشرط؛ لأن العقد أصلًا يتضمن التزامات من الزوج والزوجة، فواجب على الزوج أن يؤدي ما التزم به وواجبٌ على الزوجة أن تؤدي ما التزمت به، فمما فرض الله عز وجل أن يعطيها مهرها، ولذلك قال تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فمن حقها أن تمنع زوجها أو يمتنع أولياؤها من تسليمها حتى يدفع الزوج المهر كاملًا، وهذا قد يكون له سبب؛ فإن المرأة في زواجها قد تتحمل أمورًا في لباسها، ويتحمل أولياؤها أمورًا في تهيئتها لزوجها، وتهيئة بيتها لها، وهذا يحتاج أن يكون عندها المال أو يكون عندها المهر، فإذا قالت: أنا لا أمكنك من نفسي حتى تدفع لي صداقي، فهذا من حقها، وكذلك من حق والدها ومن حق وليها أن يمنعها منه حتى يؤدي صداقها الحال.
ولما قال رحمه الله: (الحال) مفهومه أن المؤجل ليس من حقها أن تمتنع بسببه، فلو قال: أدفع لك عشرة آلاف الآن وعشرين بعد سنة أو سنتين أو ثلاث، فإنه ليس من حقها أن تمتنع حتى يدفع لها المؤجل؛ لأن المؤجل إلى أجل، وبناءً على ذلك لا تمتنع إلا إذا اشترطت وقالت له: أنا لا أمكنك من نفسي حتى تدفع لي الصداق كاملًا، فقال: إذًا: أدفع لك عشرة هذه السنة، والعشرة الثانية في السنة القادمة، والعشرة الثالثة في السنة الثالثة، فمعناه أنه سيكون الدخول بعد السنة الثالثة.
وهذا على حسب ما يتفق عليه الزوجان؛ لأنهم إذا تراضوا على شيء وتم العقد على اشتراط شرطٍ لا يعارض الشرع ولا يناقضه، وجب الوفاء به.