فهرس الكتاب

الصفحة 3341 من 7030

قال رحمه الله: [وممن لا يصح تبرعه] هذا أمرٌ ثانٍ في حال الإسقاط: إذا قلنا إنه يجوز للمسلم أن يُسقط حقّه كله، ويجوز أن يُسقط بعضه، فينبغي إذا قلت بجواز التبرُّع والإبراء من الدين أن يكون هذا التبرُّع من شخصٍ هو أهلٌ للإسقاط والإبراء، كما أنك في حال البيع والمعاوضة قلتَ: يُشترط شروط البيع، وتشترط شروط الإجارة؛ فينبغي أيضًا في الهبات إذا أسقط ماله كله أن يكون أهلًا لذلك.

مثلًا: قال: لي على محمد ألف، فقال محمد: نعم، له عليَّ ألف، فقال: ما دمت قد أقررت لي بالألف فأنا مسامحك بالألف كلها.

وكان الذي سامح ممن لا يصح تبرُّعه، فحينئذٍ لم يصح ذلك التبرع، وذلك كالمفلس لا يصح تبرعه إذا كان محجورًا عليه للفلس.

وسيأتينا في باب الحجر الذي يلي باب الصلح أن هناك أشخاصًا حجر الشرع عليهم.

أي: منعهم من التصرف بأموالهم ببذلها وهبتها، وهم ينقسمون إلى قسمين: منهم من حجر عليه الشرع ومنعه من الهِبة والتبرُّع بماله كله أو بعضه خوفًا على نفسه، أي: حجر الشرع عليه لمصلحته هو، ومنهم من حجر الشرع عليه لمصلحة غيره.

فالذين حجر الشرع عليهم لمصلحة أنفسهم: كالصغير اليتيم، إذا توفي والده وترك له مليون ريال إرثًا، ولوالده حق على الغير، وأصبح هو مكان والده، فاعترف ذلك الغير بالحق، فقال الصغير سامحتك؛ لم يصح ذلك التبرع، ولم يصح ذلك الإسقاط، بل يُنتظر إلى بلوغه، فإذا بلغ راشدًا كان له حق الإسقاط أو حق المطالبة، أما وهو صغير فإنه يُخدع وتأخذه العاطفة ويتنازل عن حقه.

ولذلك قال الله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] ، فالصغير لا يُحسن النظر لنفسه، والشرع لا يجيز تبرع مثل هذا.

وكذلك إذا كان صغيرًا لمصلحة نفسه كالأيتام، أو كان مجنونًا، لأن المجنون لا يحسن التصرف في ماله، وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده، فلو أن المجنون يُعطى ماله، لأضاع ماله في طرفة عين، ولربما حرق ماله، ولربما قطّعه؛ لأنه لا يعي ولا يُدرك، فلو قال مجنون لآخر: سامحتك فيما لي عليك؛ لم يصح.

كذلك يُحجر على الإنسان لحق الغير ولحق نفسه؛ كالسفيه، وهو الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء لغيره، فهؤلاء الثلاثة: (الصغير، والمجنون، والسفيه) ، هؤلاء الثلاثة يُحجر عليهم لمصلحة أنفسهم.

وهناك من يُحجر عليه لمصلحة غيره، مثل المريض مرض الموت، فإنه إذا تبرّع في مرض الموت، لم يصح تبرُّعه إلا في حدود الثلث -ثلث المال فقط- فإن تبرّع بأكثر من الثلث فهو حق للورثة، إن شاءوا أمضوا تبرعه، وإن شاءوا ردوه.

فلو أن رجلًا كان في مرض الموت وترك مليون ريال إرثًا، وقال: تصدقوا بالمليون كلها، فإنه لا ينفذ تبرعه إلا في الثلث، لحديث سعد في الصحيحين:(يا رسول الله! إن لي مال وليس لي ورثة إلا ابنة، أفأتصدق بمالي كله؟ قال: لا.

قال: افبثلثيه؟ قال: لا.

فبنصفه؟ قال: لا.

قال: افبثلثه؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).

فلو فُتح الباب للناس أن يتصدقوا لصار كل إنسان ثري يقول عند موته: آخذ مالي وأتصدق به أفضل من أن أتركه لأولادي فيكون في ذلك إضرار بالورثة، والشرع جاء بالوسطية، فأعطاه الثلث يتصدق به.

فلو أنه في مرض الموت، وجاء شخص وأقرّ له مليون ريال، فقال له: سامحتك بالمليون التي لي عليك، ثم توفي، وطالب الورثة بعد وفاته، وقالوا: فلان جاء لمورِّثنا في فراش الموت، وأقر له بحقه، فأسقط عنه وأبرأه من جميع الدين، والإبراء مستغرق للثلث وزيادة، فسألوا القاضي أن يصحح الإبراء في الثلث، وأن يرد لهم ما زاد، فإن القاضي يصححه في الثلث ويرد ما زاد.

وهذه تبين أهمية باب الصلح، فأنت تنتقل من باب إلى باب، ومن هنا ترى أن الشريعة يرتبط بعضها ببعض، كالبناء المحكم، وتجد كل كلمة وكل عبارة يتكلم بها المكلف لها حكمها، ولا يُظلم الناس، وإنما يُؤخذون بحقوقهم دون زيادة أو نقص.

فإن أبرأ وأسقط دينه والحق لغيره والمال لغيره، صحّ فيما يملك، ولم يصح فيما زاد عنه، فهذا معنى قوله: (أو ممن لا يصح تبرعه) فإن كان الإسقاط والتنازل عن الدين من شخص لا يصح منه الإسقاط ولا التنازل عن الديون كلية؛ أسقطنا ذلك الصلح على -هذا الوجه- كلية، وإن كان الإسقاط والإبراء من شخصٍ يصح تبرعه بالبعض دون البعض، صح فيما أذن الشرع به ولم يصح فيما عداه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت