بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ، ولا حجام وطبيب وبيطار لم تجن أيديهم، إن عرف حذقهم] .
الإجارة إذا وقعت بين الطرفين لم تخل من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون على السلامة، فتستأجر الأجير فيقوم بالعمل على الوجه المطلوب دون حدوث أي ضرر من هذه الإجارة، فحينئذ لا إشكال.
والحالة الثانية: أن تستأجر الأجير، وأثناء قيامه بمهمة الإجارة المطلوبة يحدث الضرر، كأن تستأجر عاملًا ليقوم بعمل فيصلح شيئًا في الدار أو نحو ذلك، فيكسر ذلك الشيء، فيتلفه بالكلية أو يتلف بعضه ويعطل المنافع الموجودة فيه، ففي هذه الحالة يرد
السؤالهل الأجير يتحمل المسئولية عن العين التي تطلب منه المنفعة بإصلاحها والقيام عليها؟ وهذا يشمل كثيرًا من الإجارات، سواء كان ذلك في الأشخاص أو كان في الحيوانات، أو كان في المركوبات أو كان في العقارات، فأنت إذا استأجرته ربما أنه يستأجر لإصلاح الإنسان -كالطبيب يقوم على إصلاح بدن الإنسان- فيحدث ضررًا بطبه، فيعطل منفعة العضو الذي يراد علاجه، أو يحدث ضررًا في مكان آخر، فيكون -بإذن الله عز وجل- سببًا في علاج موضع ولكن يحدث الضرر في موضع آخر، هذا في إصلاح الآدميين، وربما تستأجره لإصلاح حيوان كالبيطار، فيقوم بعلاج الدابة فيفسدها، أو تعتل صحتها بسبب الأدوية والعقاقير أو نحو ذلك، أو تستأجره لإصلاح جدار فينهدم أثناء إصلاحه، أو إصلاح زجاج فينكسر ويتهشم، أو إصلاح الأمور الأخرى من المرافق المتعلقة بالبيوت والدور ونحو ذلك.
فكل هذه صور قد تقع في بعض الأحيان، فالإجارة إما سلامة وإما ضرر، ففي حال السلامة لا يسأل السائل، ولكن يرد السؤال في حال الضرر، وحالات الضرر تسمى بمسائل الضمان في الإجارة، فمسائل الضمان في الإجارة لا تختص بالأجير، بل لربما أنك تستأجر سيارة للنقل فيكون في السيارة ضرر يؤثر على صحة الراكب، أو تستأجر شيئًا من أجل أن تقضي مصلحة منه، فيخرج ذلك الشيء من المصلحة إلى المضرة، وكل هذه المسائل تسمى بمسائل الضمان في الإجارة، وتعم بها البلوى، وتكثر منها الأسئلة والشكوى، ويحتاج طالب العلم إلى معرفة أحكامها وموقف الشريعة الإسلامية الذي أنصفت فيه الطرفين: فأعطت الأجير حقه، وأعطت المالك حقه.
فيرد السؤال: ما هي الضوابط؟ وما هي الأمور المعتبرة التي ينبغي العمل بها في مسائل الضمان؟ فشرع رحمه الله في بيان هذه المسائل؛ لأن بيان الإجارة يستلزم بيان الآثار المترتبة على الإجارة، وقد تكون هذه الإتلافات والأضرار الناجمة تعطل الإجارة فيما بقي من المدة، وكل هذا يبحثه العلماء ويبين مسائله الفقهاء رحمهم الله برحمته الواسعة، فشرع المصنف رحمه الله في بيان هذه المسائل والدلالة على هذه الأحكام.
فقوله: (ولا يضمن) .
الضمان: غرامة الشيء التالف إما بمثله أو بقيمته، فالعلماء رحمهم الله إذا قالوا: عليه الضمان.
بمعنى: أنه يأتي بمثل الشيء الذي أتلفه إن كان له مثلي، أو يأتي بقيمته إن تعذر وجود المثلي.
وتوضيح ذلك: أن الضمان يفتقر إلى وجود إتلاف وضرر، وهذا الإتلاف سواء كان كليًا أو كان جزئيًا فإنه إذا فعل شخص بمال غير بدون حق فإن الله عز وجل ألزمه أن يضمن لأخيه المسلم حقه، فمن أتلف الشيء حتى تعطلت منافعه بالكلية ولم يمكن الارتفاق به على وجه، وأصبح تالفًا بدون وجه حق، نقول له: اضمن مال أخيك.
وذلك لأنه إذا أتلف الشيء على هذا الوجه فقد تعدى وظلم، فيجب عليه ضمان تعديه وظلمه، فعلى اليد أن تضمن جنايتها كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38] فلما اكتسب الجناية وأتلف مال غيره وجب عليه أن يضمن ذلك المال، وتعين عليه أن يقوم برد مثل ذلك المال.
فمثلًا: لو أتلف سيارة لأخيه المسلم بدون وجه حق، نقول له: تأتي بمثل هذه السيارة في مواصفاتها، وبمثلها في شكلها وتعطيها لأخيك.
فإن تعذر وجود مثل هذه السيارة نقول: تضمن بقيمتها.
فإذًا الضمان: غرامة الشيء التالف -أي: أنه لابد من وجود شيء تالف- إما بمثله إن كان له مثلي، ويضمن المثلي بالكيل كيلًا وبالوزن وزنًا، فإذا كان مكيلًا يضمن بمثله كيلًا وبمثله وزنًا وبمثله جودة ورداءة وغلاءً ورخصًا.
إلى آخره كما سيأتي -إن شاء الله- في الضمان.