فهرس الكتاب

الصفحة 2763 من 7030

قال رحمه الله: [وإن باع ثوبًا أو صُبرة أو قطيعًا كلَ ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم: صح] .

قوله: [وإن باع ثوبًا] .

البيع وقع على الثوب بكامله (كل ذراع) ففي القديم كانوا يقولون: (ذراع) ، فيأخذه ويُمتره بذراعه، أو (كلَّ متر) كما هو موجود في زماننا، فيقول له: كل متر بعشرة ريالات، أو باعه قطعة من القماش كل متر بعشرة، فالبيع وقع على القطعة بكاملها، ووقع على الثوب بكامله، وحينئذٍ أجزاء الثوب محددة، فالجهالة مرتفعة، فيصحّ البيع.

قال: [أو صُبرة] .

وهي الكوم من الطعام، كما ترى الآن البعض يجعل الطعام جيده ورديئه مع بعضه ويخلطه في بعض، ويقول لك: هذه الصُبرة أبيعكها كلها كل صاع بمائة أو بعشرة، فمذهب طائفة من العلماء: أنه لو قال له: هذه الصُبرة من الطعام أبيعكها -أي: كلها- الكيلو بمائة أو الصاع بمائة صحَّ البيع، لماذا؟ لأنه وقع على الجيد والرديء معًا، ولكن ستأتي صورة ثانية يُمنع ويُحظر فيها البيع، وهي التي يحتمل أن يأخذ فيها الجيد، ويحتمل أن يأخذ فيها الرديء.

المقصود أنه إذا قال له: صبرة الطعام كلها، وانصب البيع على صبرة الطعام بكاملها وحدد جزءًا أو ما ينضبط به قدر الصُبرة صحَّ البيع.

قال: [أو قطيعًا] .

قطيعًا من الغنم أو من الإبل أو من البقر، قال له: كل واحدة بكذا، وهذا القطيع معلوم، فمثلًا: قال له: أشتري منك هذا القطيع من الغنم، فبكم تبيعه؟ قال: أبيعكه كاملًا على أن تدفع لي في كل واحدة مائة أو مائتين، فاستوى الجيد والرديء في البيع، ووقع البيع على الكل، فحينئذٍ لا جهالة ولا غرر.

قال: [كل ذراع] .

وهذا راجع إلى الثوب.

قال: [أو قفيز] .

في الصُبرة كل قفيز، والقفيز: نوع من أنواع المكاييل مثل الصاع، وهو أقل منه، وكان مشهورًا في المشرق.

قال: [أو شاةٍ] .

أي: كل شاةٍ من القطيع، فجعل ثلاثة أشياء: (الثوب، والصبرة، والقطيع) ، ففي الثوب كل ذراع، وفي الصبرة كل قفيز، وفي القطيع كل شاة بكذا.

قال: [بدرهم صحّ] .

أي: أن يحدد له.

فأولًا: أن يقع البيع على الكل لا على البعض، فيقول له: كل صُبرة الطعام، وكل قطيع الغنم، وكل الثوب، فوقع على الجيد والرديء معًا، فلا غرر ولا جهالة.

ثانيًا: أن يحدد قيمة كل جزء من أجزائه، وحينئذٍ لا جهالة في القدر ولا في الثمن، فأصبح قد باعه شيئًا معينًا منضبطًا بقدر الذي ذكره: الذراع والقفيز والشاة، فمثلًا حدد له بدرهم، فحينما قال له: (بدرهم) .

صحَّ البيع؛ لأنه ليس فيه جهالة لا في الثمن ولا في المثمن.

قال رحمه الله: [وإن باع من الصُّبرة كل قفيز بدرهم أو بمائة درهم إلا دينارًا، وعكسه، أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه، ولم يقل كل منهما: بكذا، لم يصح] .

قوله: [وإن باع من الصبرة] .

كما ذكرنا أولًا، هناك باع الصُبرة بكاملها -التي هي كوم الطعام- أمّا هنا يقول له: أبيعك القفيز أو الصاع أو الكيلو من هذه الصُبرة بمائة، ففي هذه الحالة سيكون في الصُبرة الجيد والرديء وفيها المتوسط، فلا ندري هل يقع البيع على الجيد أو يقع على الرديء أو يقع على المتوسط منه؟ وحينئذٍ يكون من باب الغرر؛ لأنه قد يظن البائع أنه سيأخذ الرديء فيأخذ الجيد فيغرر بالبائع في حقه، وقد يظن المشتري أنه يُمكَّن من الجيد فيصرفه إلى الرديء، وعلى هذا فإنه إذا قال له: أبيعك من الصُبرة، (من) للتبعيض، فمعناه: أن البيع انصب على جزء الصُبرة، وبعض الصُبرة ليس كلها، فهناك وقع البيع على الصُبرة كلها فأخذ غثها وسمينها، وجيدها ورديئها، وحسنها وقبيحها، فصحَّ البيع؛ لأنه لا غرر على البائع ولا غرر على المشتري؛ لكن حينما يقول له: أبيعك من هذه الصُبرة، فـ (من) للتبعيض، فلا ندري هل سيؤخذ الجيد أو الرديء أو الوسط؟ فبعض الأشياء التي تباع أكوامًا أو أشياء متباينة، بعضها أفضل من بعض، فعندما تأتي لكي تأخذ الجيد ويدخل يختار معك، حتى لا يمكنك من اختيار الجيد، فإن قلت له: اتركني، قال: لا يمكن أن أتركك تأخذ الجيد وتترك لي الرديء، فحينئذٍ كأنه يريد أن يضر بك، وأنت أيضًا تريد أن تضر به؛ لأن كلًا منكما لا يريد أن يكون الضرر في حظه؛ والسبب في هذا (مِنْ) وهي للتبعيض؛ لأنه لما صارت أجزاء الصُبرة مختلفة وليست بمتساوية احتمل أن ينصرف إلى الجيد فضرَّ بالبائع، أو ينصرف إلى الرديء فضرَّ بالمشتري، وحينئذٍ لا يصح البيع على وهذا الوجه، هذا على ما اختاره طائفة من العلماء: وهو أن وجه الفساد التبعيض في أجزاء الصُبرة المختلفة.

قال: [وإن باع من الصُبرة كل قفيز بدرهم أو بمائة درهم إلا دينارًا] .

هذا إذا كان من الصُبرة صارت الجهالة في نفس المبيع؛ لأنه جيد ورديء، (بمائة درهم إلا دينارًا) كما ذكرنا سابقًا: أن يدخل عُمْلَتين مع بعض، ومعلوم أن قيمة الدينار صرفها بالدراهم تختلف، فأنت إذا قلت: (بمائة درهم إلا دينارًا) ، لا ندري بكم يصرف الدينار، فإذا كان الدينار يصرف بعشرة فمعناه أنك بعت بتسعين، وإذا كان يصرف بخمسة فمعناه أنك بعت بخمسة وتسعين، فإذًا: ردده بين قيم مختلفة، فيحتمل أن تظن أن الدينار هذا يبلغ قيمةً رخيصة فإذا به بقيمة غالية، والعكس.

وهذه كلها -كما ذكرنا- صور للتمثيل فقط، وغاية ما في الأمر أن المصنف يريد أن يقول لك: لا تبع ولا تشترِ إلا بثمن معلوم، ولا يجوز لك أن تبيع بالمجهول، سواءً كان مجهولًا جهالة كليّة أو كان مجهولًا جهالة جزئية، فهذا مراد المصنف رحمه الله.

قال: [وعكسه] .

أي: (بمائة دينار إلا درهمًا) ؛ لأن صرف الدرهم مختلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت