قوله رحمه الله: (خيار العيب) أي: من أقسام الخيار التي دل عليها دليل الشرع خيار العيب.
وقوله: [وهو ما ينقص قيمة المبيع كمرضه] : وبعض العلماء يقول: (نقصان المالية) ، والمالية هي القيمة فلا إشكال.
فقوله: (ما ينقص قيمة المبيع) : أي: الشيء المبيع، سواء كان ثمنًا أو مثمنًا.
(كمرضه) : الكاف للتمثيل أي: مثل المرض، والمرض ينقص قيمة المبيع؛ لأن المبيع المريض منفعتُه أقل من المبيع الصحيح؛ ولأن المبيع المريض يكلف المشتري كلفةَ دوائه وعلاجه والقيام عليه؛ ولأن المبيع المريض قد يدخل الضرر على الإنسان، كما لو كان به مرض معدٍ، أو نحو ذلك، فذكر المرض في العيب يشمل المرض الذي هو حسي، والمرض المعنوي.
فالمرض الحسي: مثل الأمراض التي تُرى وتُشاهد كالجرب ونحو ذلك.
والأمراض المعنوية: مثل أن يكون به مرض نفسي مما يوجب أو يمنع الانتفاع به على الوجه المطلوب.
قال رحمه الله: [وفقد عضو أو سن أو زيادتهما] : (وفقد عضو) : كاليد، كما إذا باعه رقيقًا، وتبين أنه مشلول اليد، وهكذا، هذا في القديم.
وفي الحديث: لو باعه سيارة ليس لها عجلات مثلًا، والسيارات تراد للركوب، فلو باعها بدون أن يكون لها فهذا في حكم فقد العضو؛ لأنها لا يمكن أن تسير ولا أن ينتفع بها إلا بوجود هذا الشيء الذي هو (إطارها) الذي تسير عليه.
(أو سن) فقد السن يؤثر في الدواب، ويؤثر أيضًا في الأرقاء، والسبب في هذا: أن السن يؤكل به، وفقده يضعف أكل الدابة فتضعف، وكذلك أيضًا فقد السن ربما يدل على مرض كما يقع في بعض الأمراض من تساقط الأسنان، وكذلك أيضًا فقد السن ينقص الجَمال في الأمة، إذا اشتراها من أجل أن يعف نفسه عن الحرام؛ لأن الله أحل له وطأها.
فالمقصود: أنه مثل رحمه الله من بيئته بما كان موجودًا في القديم.
(أو زيادتهما) أي: زيادة الأعضاء فإن هذه الزيادة تنقص المالية؛ لأن بعضها يؤثر في المبيع؛ لأن بعض الأسنان إذا زيدت تحدث الألم، وهذا يضر بالمبيع.
وبعض الأعضاء إذا زيدت يمتنع الارتفاق، ويمتنع الانتفاع بالرقيق بالوجه الكامل، أو بالوجه الأفضل والأكمل.
قال رحمه الله: [وزنا الرقيق] : هناك عيوب حسية، وعيوب معنوية إذا أردت أن تقسم العيوب.
العيوب الحسية: هي التي تكون النقص فيها في الخِلقة في الآدميين والدواب، أو النقص في أركان البيت، وفي منافعه.
لو باعه بيتًا بدون دورة مياه مثلًا، فهذا يعتبر نقصًا مؤثرًا، فهذه عيوب حسية، وهي تشاهد وترى.
وهناك عيوب معنوية، والعيوب المعنوية لها ضابط عند العلماء: وهي ما كانت راجعة إلى الخلُق، والنفس، وهذه العيوب النفسية أو المعنوية منها ما هو ديني، ومنها ما هو دنيوي.
فالعيوب الدينية مثل زنا الرقيق، والسبب في هذا: أنه إذا كان الرقيق قد عرف بالزنا، فإنه لا يؤمن على العرض، وكان الأرقاء يحتاجون لقضاء مصالحهم، وربما دخل البيت لقضاء المصلحة، كحمل المتاع ونحو ذلك، وربما غاب السيد عنه وسافر، فوجود الزنا في الرقيق عيب، وهذا مذهب جمهور العلماء.
وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان عليه من الله الرحمة والرضوان، فقال: الزنا في الرقيق ليس عيبًا، واحتج بما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرّب عليها، ثم إذا زنت الثانية فليجلدها الحد، ولا يثرّب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فليجلدها الحد ولا يثرّب عليها، ثم ليبعها ولو بظلف شاة) قال: فإذا بيعت وهي زانية، فهذا يدل على أن الزنا ليس بعيب.
قال: ولأن الزنا قد يقع بسبب التساهل في البيئة، فتكون زانية عند زيد وليست بزانية عند عمرو، فزيد يتركها تتعاطى ذلك أو يتساهل في حفظها، وعمرو يحفظها، فهو يقول: ليس بعيب؛ لأن هذا الشيء يحتاج إلى تحفظ ويحتاج إلى صيانة، وهكذا بالنسبة للذكر.
وهي مسألة خلافية مشهورة، والأقوى أنه عيب كما ذهب جمهور العلماء، وحديثنا وهو قوله: (ثم ليبعها ولو بظلف شاة) لا يمنع أن تباع ويبين أنها زانية؛ لأن هذا من العيوب التي تبين، فإذا بين أنها زانية ارتفع الاستدلال بالحديث، ولم يستقم استدلاله رحمه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(البيعان بالخيار.
-ثم قال-: فإن صدقا وبينا)لأن من المعلوم أنها إذا كانت زانية وجاء يبيعها، فإنه يجب عليه أن يبين أنها ليست بمستقيمة وأنها تقع في الزنا، فإذا بين ذلك انتفى كونه عيبًا، ومن هنا لا يقوى اعتبار هذا الحديث حجة على جمهور العلماء رحمهم الله، والصحيح أنه عيب.
قال رحمه الله: [وسرقته] : هذا من دقة المصنف، فقد ذكر رحمه الله العيوب التي هي نقصان في الخِلقة: (كمرضه، وفقد عضو، أو سن أو زيادتهما) وفقد الأعضاء من العيوب الحسية، ثم جاء بالعكس وهي زيادة الأعضاء، فإن زيادة الأعضاء تنبئنا أو تشير إلينا وتخبرنا أن الأمر لا يختص بالنقص، بل بعض الأحيان تكون الزيادة عيبًا، فليس العيب فقط بالنقص، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له، وهو أن العيب قد يكون بالزيادة، وعلى هذا انتهى رحمه الله من العيوب الحسية، وشرع في العيوب المعنوية فقال رحمه الله: [وزنا الرقيق] فهذا راجع إلى العيوب المعنوية.
فقوله: (وسرقته) : السرقة خسة في الطبع، ولؤم في النفس أن يسرق من مال سيده، أو يسرق من أموال الناس، فهذا راجع إلى وازع نفسي، فالعبد إذا كان فيه هذه الصفة فإن معناه أنه سيء الخلق، وهذا من سوء الأخلاق الجامعة بين الدين والدنيا؛ لأن الدين لا يرضى مثل هذا، وأيضًا الناس بعقولهم وفطرهم السوية ينفرون ممن يسرق، فالسرقة تعتبر عيبًا؛ لأن هذا يدخل الضرر على السيد.
وعلى هذا قالوا: إنه إذا تبين أن العبد سارق أو معروف بالسرقة، جاز له أن يرده، فلو اشترى منه عبدًا بثمانمائة دينار، ثم تبين له أنه زانٍ، أو تبين له أنه سارق، أو شهد شهود أن هذا العبد معروف بالسرقة أو بالزنا، وأثبتوا ذلك عليه، حينئذٍ يأتي إلى القاضي ويثبت هذا العيب ويرد القاضي المبيع ويعطيه قيمة ما دفع فيه.
قال رحمه الله: [وإباقة] : الإباق كثرة الفرار، كأن يشتري عبدًا كثير الهروب، فإن الهروب عيب، وهذا العيب يمنعه من الانتفاع به، ويضر بمصالحه؛ لأنه ربما وضعه على مصلحة فهرب عنها، فهذا فيه ضرر عليك، فإذا تبين أنه كثير الهروب، أو أنه يهرب عن سيده، فمن حقه أن ترد بهذا العيب.
قال رحمه الله: [وبوله في الفراش] : هذا من العيوب، وقد ذكروا عن أعرابي أنه اشترى عبدًا، فقال له البائع: فيه عيب، قال: ما عيبه؟ قال: يبول في الفراش، وهذا في القديم يعتبر عيبًا؛ لأن هذا يفسد المتاع، ووجود النجاسة أيضًا تضر بمصالح المشتري.