فهرس الكتاب

الصفحة 3354 من 7030

أما بالنسبة لحالة السكوت فالشافعية أيضًا يقولون: لا يجوز.

والجمهور يقولون بالجواز، وينزلونه منزلة صلح الإنكار؛ لأن الساكت في حكم المنكر، وقد قالوا: (لا ينسب لساكت قول) فيجوز له أن يصالحه مع السكوت، وابن أبي ليلى مع أنه وافق الشافعية في عدم صحة صلح الإنكار إلا أنه وافق الجمهور في جواز وصحة صلح السكوت.

إذًا: أصبح عندنا مسألتان: - مسألة صلح الإنكار وفيها قولان: للجمهور الجواز.

وللشافعية وابن أبي ليلى المنع.

والصحيح قول الجمهور لعموم الأدلة وقوتها.

ومسألة: صلح السكوت، وفيه القولان أيضًا، إلا أن ابن أبي ليلى رحمه الله وافق الجمهور فقال بالجواز وقوى ذلك؛ لأنه ليس بمنكر، وإنما هو ساكت فيكون في حكم المقر.

وعلى هذا فمذهب الجمهور جواز صحة الصلح مع الإنكار والسكوت وهو الصحيح.

قول المصنف: [ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله] : قوله: (وهو يجهله) هذا شرط، أي: ولو كان يعلمه لم يجز.

إذًا: كلمة (وهو يجهله) شرط، أي والحال أنه يجهله، فتصير شرطًا في جواز صلح الإنكار وصلح السكوت، فلو سألك سائل: أين محل الخلاف بين الجمهور والشافعية في صلح الإنكار وصلح السكوت؟ تقول: محل ذلك إذا كان الخصم يجهل، أما إذا كان يعلم فإنه لا يجوز له أن يصالح بالإجماع، بل الواجب عليه شرعًا أن يرد الحقوق إلى أهلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلله منها) فأمر برد المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها.

قال المصنف رحمه الله: [ثم صالح بمال صح] : مثال ذلك: قال عمرو: هذه الدار التي يسكنها زيد ملك لي، فقال زيد: بل ملك لي، فأنكر فاختصما إلى القاضي، فقيل لعمرو المدعي: ألك بينة؟ قال: ليس عندي بينة.

قيل لزيد: احلف.

فقال: أصطلح مع خصمي، فصالحه الخصم على أن يعطيه عشرة آلاف ريال بدلًا عن هذه الدار التي يدعيها، فحينئذٍ يصبح كأنه باع حقه في الدار بعشرة آلاف فتنتقل المسألة من باب الصلح إلى باب البيع، وتنطبق عليها أحكام البيع.

إذا قلنا: تنطبق أحكام البيع فلا بد وأن يكون الشيء الذي يعاوض عليه معلومًا بين الطرفين، وأن يكون من جنس ما يجوز بيعه، ويكون مملوكًا، ولا يجوز أن يصالحه بشيء لا يملكه، إلى غير ذلك من شروط صحة البيع.

فلو أنه صالحه على شيء مجهول لم يصح، ولو قال له: هذه الدار التي تدعيها عليّ أصالحك على شيء أرضيك به لم يصح، لأنه شيء مجهول، ولا تصح المعاوضة بالمجهول.

ولو صالحه على وجه يقع به الربا، كأن يقول: لي على زيد ألف ريال.

فإن قال زيد: ليس لك عليّ ألف ريال.

وقال: أعطيك بدلًا منها تسعمائة، لم يصح؛ لأن الألف والتسعمائة ربا فضل فلا يصح أن يعاوضه بها، ولو قال له: أعطيك بدلًا عنها ثمانمائة صار ربا فضل، ولو قال: أعطيك عنها ما يعادلها من الدولارات -مثلًا- لو أن الألف تصرف بثلاثمائة وخمسين دولارًا وقال له: أعطيك بدل الألف ثلاثمائة وخمسين دولارًا.

فإن قال: قبلت.

وجب أن تكون يدًا بيد؛ لأنه صرف، تسري عليه أحكام البيع والصرف على التصوير الذي ذكرناه في صلح الإقرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت