قال المصنف رحمه الله: [ولو أنه مسجد وآلته وما فضل عن حالته، جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين] قوله رحمه الله: [ولو أنه مسجد] أي: ولو كان الوقف مسجدًا.
والمساجد أمرها عظيم، بل كل الأوقاف، بل ينبغي للمسلم وطالب العلم والعالم والمفتي والقاضي والناس جميعًا أن يتصوروا أن الواقف لم يوقف ولم يتخل عن ماله غالبًا إلا وهو يرجو الثواب من الله سبحانه وتعالى، وكثيرًا ما تكون الأوقاف من أموات هم أَحوج ما يكونون إلى الحسنة وإلى الثواب.
وكان بعض العلماء حينما يذكر العقوق بعد الموت، يقول: من العقوق بعد الموت تعطيل أوقاف الوالدين والتلاعب أو التقصير أو الإهمال فيها، والناظر قد يكون رجلًا صالحًا، ولكنه مهمل، يُهمل النظر في وقف والده الذي أوقفه على الضعفاء أو الفقراء، فالمسلم إذا تصدق بماله وقفًا؛ فالغالب أنه يرجو الثواب، وأنه يريد الأجر عند الله سبحانه وتعالى.
فالمساجد الحرص على الأجر فيها أكبر، ومن هنا لا يجوز أن يُضيَّق على الواقف في استحقاقه لهذا الأجر وطلبه له، ويتمثل ذلك في أمور: أولها أنه إذا بنى مسجدًا ينبغي المحافظة على هذا المسجد وبقائه على حاله، خاصة إذا أمكن أن يصلي فيه المصلي وأن تتحقق المصلحة المطلوبة من بنائه.
والمسجد إن كان قويًا متماسكًا فلا يجوز لأحد أن يهدمه، ولا أن يفتي بتغييره حتى ولو وجد متبرع، إذا وجد المتبرع يصرف إلى مسجد آخر أحوج، وإلى مسجد لم يبن، كان العلماء رحمهم الله تحدث بينهم خلافات ونزاع، بل أعرف رسائل أُلِّفت واطلعت على بعضها تتكلم عن سقف مسجد هل يُبدل أو لا يُبدل، لوجود مضرة معينة في السقف فهل هذه المضرة ترخص تغيير السقف أو لا ترخص؟ حتى إن الذي أفتى بجواز كشف هذا السقف يُقيِّد أنه لا يجوز أن يُباع شيء من هذا الخشب، ولا أن يُتصرف فيه بالمناقلة إلا عند الضرورة والحاجة خوفًا من الله سبحانه وتعالى ومراقبة لله عز وجل.
فتجد المسجد مبنيًا ولكن يقولون: مسجد قديم، وقد يكون مبنيًا بناءً مسلحًا لكن يريدون أن يكون مبنيًا بشكل فخم، وأن يكون مفروشًا بالفراش الوثير، وأن يكون وأن يكون، فيُهجم على حسنة الميت، وعلى حقه، ويهدم هذا المسجد ويبنى غيره.
فالمساجد أمرها عظيم، ولا يمكن لأحد أن يفتي بهدم مسجد، ولا يمكن لأحد أن يستحل هدم المسجد إلا بفتوى وقضاء شرعي، ولا يملك كل أحد أن يهدم، لأنها أُوقِفت وسُبِّلت، وخاصة إذا كان الذي أوقفها وبناها ميتًا.
ومن هنا حرم الشرع بناء مسجد جوار مسجد، وهو مسجد الضرار، وأفتى بعض العلماء أن الصلاة لا تصح في المسجد الثاني الذي يُضيَّق به على المسجد الأول، وإذا أردنا أن نبني مسجدًا كبيرًا للجمعة وتضرر الناس يوم الجمعة فإن أمكن توسيع هذا المسجد بهدم جداره الأخير والزيادة فيه من آخره فلا بأس، ويمنع هدمه كله وبناؤه من جديد.
كل هذا تعظيمًا لحدود الله ومحارمه، ولذلك وصف الله عز وجل تهديم المساجد بأنه من أعظم ما يكون انتهاكًا لحرمته، فلا يجوز لأحد أن يُقْدِم على تغيير مسجد أو هدمه أو التصرف فيه إلا بنظر شرعي صحيح من فتوى أو قضاء، ولا يجوز للمفتي ولا للقاضي أن يُفتي أو يقضي إلا إذا وجدت الأسباب والضوابط الشرعية المعتبَرة للحكم بمثل هذا.
فإذًا: المسجد لا يُهدم ولا يُتصرف في شيء من أوقافه إلا في حدود الضرورة والحاجة بحكم القاضي أو من له الأمر والنظر في هذا المسجد.
وإذا كان المسجد ضيقًا يُوسّع، ثم إذا وُسِّع فلا يُهدم أولًا ثم يُوسَّع، بل من الممكن أن يُوسَّع بإضافة بناء لاحقٍ له، فالمساجد ليست محلًا للمفاخرة والمباهاة، بحيث لا بد أن تكون على الصورة الفلانية، أو الشكل الفلاني، بل إذا أُوقفت فيجب أن تبقى على بنائها القديم حسنة للميت، وثوابًا للميت؛ لأنه حتى الرمل الذي وضعه، والمال الذي أنفقه على هذا الشيء الذي شيده يثاب عليه مدة بقائه.
وهذا أجر عظيم لا يرضى أن يُضيع عليه هذا الأجر، فلو كان ميتًا فإنه لا يرضى أن يأتي من يهدم مسجده، والحسنة جارية عليه من هذا المسجد.
فإذًا لا يُهدم، وإذا احتيج إلى توسعته يُفتى بقدر الضرورة والحاجة، مع الخوف من الله ومراقبة الله سبحانه وتعالى، والنظر الصحيح الذي ينبني على المصلحة.
ثم إذا احتيج إلى هدمه بالكلية فهذه مسألة، وإذا احتيج إلى بيعه مسألة أخرى، فإذا تعطل المسجد بأن تهدم ولم يمكن تجديد سقفه، فإن تهدم سقفُه وجدرانه مشيدة؛ فلا يجوز هدم جدرانه، وإن تهدم سقفه وأعمدته قائمة؛ لا يجوز هدم عموده؛ لأن هذا كله من الإفساد {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة:64] ، وهذا من الإسراف، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة المباهاة بالمساجد، فتجد أهل الحي يرغبون أن يُجدد المسجد، وكأنهم ينافسون، وهذا حدث بسبب التساهل في الفتوى في هدم المسجد.
فلا يجوز التلاعب بحقوق الناس في أوقافهم، وبالأخص في المساجد، بل ينبغي أن يُقيد ذلك كما ذكرنا بالضرورة، فإن كان الضرر من سقفه، يغير السقف، إن كان تغيير السقف مع بقاء الأعمدة القديمة، فإنها تبقى وتُجدد ولا يُناقل بها، ولا يعوّض عنها؛ لأنها موقوفة مسبّلة على هذا المسجد، ليس ثم وجهٌ صحيح يجيز بيعها.
فإذًا لا يهدم سقفه ولا يهدم شيء منه فضلًا عن هدمه كله، إلا عند الضرورة والحاجة، فإن انهدم كله وتعطلت منفعة الصلاة فيه بالكلية واحتيج إلى بنائه؛ فإنه يُبنى على أرضه كاملة، ولا يجوز أن يُنتقص من هذه الأرض شيء لأنها موقوفة كلها مسجدًا للصلاة فيه، فلا يجوز أن يُغيَّر فيه، ولا أن يبدل فيه؛ لأن الوقف للمسجد تام على الأرض كاملة، فينبغي أن تبقى وقفًا كاملة دون أن يؤخذ منها أَي شيء.
أما الإضافة إليها فهذا شيء آخر، أما أن يؤخذ منها فلا؛ لأن الميت حينما أوقف أوقف كامل هذه القطعة، وليس هناك قضاء شرعي، ولا نظر شرعي يُسوِّغ لأحد أن ينتقص من هذه القطعة شيئًا.
وهذه أمانة ومسئولية، والناظر إذا هدم المسجد فالواجب عليه أن يستكمل جميع قطعة المسجد وقفًا مسبَّلًا كما شاء واختار صاحب المسجد، ثم إذا بُنِيت وأعيدت فلا إشكال؛ لأن الأرض الموقوفة باقية كما هي، ولو أراد الزيادة فلا بأس، لكن لو كان المسجد في مكان واحتيج إلى بيع، ف
السؤالهل تحدث حاجة لبيع المسجد؟
الجوابنعم، يمكن أن يقع هذا كما ذكره بعضٌ من أهل العلم رحمة الله عليهم، ومن أمثلته أن يكون المسجد في مكان، ويكون في هذا المكان أناس يرتحلون عنه، وهذا موجود حتى في زماننا، تكون هناك شركات تعمل في مكان، ثم فجأة تتغير أحوالها، وتصبح هذه الأمكنة مهجورة، وليس فيها من أحد، ولا يأتيها أحد، وفيها أرض موقوفة، فيرفع الناظر إلى القاضي، فيفتي القاضي ببيع هذه الأرض التي للمسجد، فتُباع، وإذا بيعت يُبحث عن مسجد يماثل هذا المسجد ويبنى، وتكون الأرض وقفًا لهذا المسجد.
وبعض العلماء يفصِّل، ويقول: حتى عند بيع الأرض، ينبغي أن تكون القيمة بكاملها للمسجد، فإذا بيعت الأرض الموقوفة مثلًا بخمسمائة ألف فيجب أن يبني مسجد بخمسمائة ألف.
وبعض العلماء يقول: إذا بِيع المسجد المعطل نظر: فإن كانت القيمة للبناء والأرض فتقسم للأرض الجديدة ما بين الأرض والبناء، لأن الوقفية موزعة عليهما، وإن كان المسجد قد تهدم فالوقفية للأرض، فيجوز أن نأخذ من الغير تبرعًا للبناء، فلا بأس بالمزاحمة.
فائدة الخلاف: لو كان لقريب لي مسجد، ورفع إلى القاضي بأن هذا المسجد تهدم، فحكم القاضي بجواز بيع أرضه، فالذي بيع هو الأرض فقط، بِيعت بنصف مليون مثلًا، فأردت أن أبني المسجد، فجاء شخص وقال: بدل أن تشتري أرضًا بمائتين وخمسين، وتبني بالمائتين وخمسين، اشتر أرضًا بالخمسمائة، وأنا أبني هذه الأرض مسجدًا، قالوا: يجوز لأن الأصل هو الأرض، وسعة الأرض أعظم ثوابًا للميت، وأعظم مصلحة ونصيحة له، ففي هذه الحالة تُشترى الأرض، ويُفضّل أن يوجد من يبنيها، ويكون الأجر للاثنين، لصاحب الأرض، ولصاحب البناء.
ثم إذا نظرنا إلى وقفية المسجد، فالمال الذي يُؤخذ من الأرض المباعة لا إشكال أنه يُشترى به ويبنى، لكن هنا مسألة وهي التي أشار إليها المصنف في مسألة أجزاء المسجد، حينما تُباع أرض الوقف فلا تباع عند انهدام المسجد بيعًا مجرّدًا عن الأرض إذا وُجدت أنقاضٌ موقوفة على المسجد يمكن بيعها واستغلالها.
فمثلًا: لو كان المسجد قد تهدم، ولكن هناك أعمدة وهناك مواد خام موجودة في الهدم يمكن استخراجها وبيعها، فتباع الأرض على حدة، وتباع هذه المواد على حدة، ولا يُباع هكذا؛ لأن هذا يضيع حقوق الوقف، فإذا أفتي بجواز بيع الوقف لتعطُّل مصالحه؛ فينبغي أن يُنظر في جميع المال الموقوف، الأرض وما عليها، ولو كان البناء مهدمًا ما دام أن هناك شيئًا يمكن بيعه واستغلال ثمنه في المسجد الجديد، أو البناء المعوَّض عن الوقف الأصلي.
بقي السؤال في مسألة التبرع لبناء المسجد: فالمال الذي يُدفع لبناء المسجد، إذا تبرع شخص فقال: هذا نصف مليون لبناء هذا المسجد، فبُنِي المسجد بأربعمائة ألف، أو بني المسجد وأُنفق عليه وكمُل تجهيزه بنصف المبلغ، فما حكم النصف الباقي؟ الحكم عند طائفة من العلماء رحمهم الله أنه يصرف إلى مثله، السؤال: كلمة (إلى مثله) .
إذا كان المال مدفوعًا للبناء؛ يُبحث عن بناء مسجد، وإذا كان المال الزائد للتجهيز يُصرف في تجهيز المسجد بأن ينظر مسجد آخر محتاج إلى تجهيز، مثلًا: لو قال: هذا مليون لبناء مسجد، الخمسمائة ألف لبنائه وتشييده، والخمسمائة الباقية يصرف نصفها مثلًا لفراشه وإنارته وإضاءته إلخ، والنصف مثلًا للمكيفات، فالذي زاد كائن من النصف الذي يتعلق بالثلاجات والمكيفات التي وضعت لمصلحة الرفق بالمصلين، وما دام أن المتصدق جزأ نفقته على مثل هذا الوجه، فيُؤخذ هذا القدر الزائد، ويُصرف في مثله في مسجد آخر، فلا يُصرف في مسجدٍ آخر في بنائه؛ لأن مصلحة هذا المال الموقوف محبوسة وموقوفة على شيء معين فيُصرف إلى مثله من جنس المساجد.
وبناءً على ذلك، المناقلة يُشترط فيها المثلية، سواءً كانت مناقلة تامة كالانتقال من مسجد إلى مسجد، أو مناقلة غير تامة، وهي التي تكون في بعض أجزاء المسجد، فيتصرف ا