فهرس الكتاب

الصفحة 2492 من 7030

قال المصنف رحمه الله: [فصل: ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية، لا بالنية] .

قوله: (يتعينان) تعين الشيء مأخوذ من العين، والعين في لغة العرب تطلق عدة معانٍ، منها: العين الجارية، ومنها: كقولك رأيت محمدًا بعينه، أي: بذاته.

والذي يشتري الأضحية له حالتان: الحالة الأولى: أن يشتري الأضحية وفي نيته أنها أضحية، وسوف يدعها في بيته أو حظيرته أو عند رجل، ثم بعد ذلك يذبحها، دون أن يقول: هذه أضحية، بل ينوي فقط، ولكنه لا يعينها، فقد تتغير نيته إلى ما هو أفضل منها، أو إلى ما هو دونها مما هو مجزئ، ففي هذه الحال إذا جاء وقت التضحية إن شاء ذبحها وإن شاء ذبح غيرها، أي: ليس بملزم بها بعينها؛ لأنه لم يلزم نفسه بذلك إلزامًا شرعيًا، وهو التعيين.

الحالة الثانية: قال بعض العلماء: إن اشتراها وفي نيته أنها أضحية تعينت.

وهناك أحكام تترتب على قولنا: إنها تتعين، وقولنا: إنها لا تتعين.

أولًا: إذا تعينت الأضحية، فحينئذٍ لو حدث بها عيب أو صار عليها عارض يمنع من إجزائها، فحينئذٍ يجوز أن يضحي بها مع كونها معيبة؛ وذلك لأنها تعينت ولزم ذبحها بعينها، بشرط: أن لا يكون ذلك بالتفريط، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

ثانيًا: لو حدث بها عيب، ويده يد أمانة وليست بيد ضمان، فإنه لا يلزمه البديل عنها، وهكذا لو ماتت، أو حصل لها عارض وماتت قدرًا؛ فإنه لا يلزم بضمانها.

وقوله رحمه الله: (ويتعينان) أي: الهدي والأضحية، فلو أن إنسانًا قال: هذا هدي وهذه أضحية، واشترى شاة وقال لأبنائه: هذه أضحية، أو هذا هدي، فإنه قد تعيّن، بمعنى: أنه يلزم بذبحه هديًا، أو أضحية، وحينئذٍ اجتمع ظاهر الإنسان وباطنه؛ لأن التكاليف الشرعية يكون النظر فيها إما إلى باطن الإنسان ونيته، وإما أن ينظر إلى ظاهره الذي يتكلم به ويفعله، وإما أن يجمع بين الظاهر والباطن، فمثلًا: قوله عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن آخذ بظواهر الناس) ، فلو قال رجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فنقول: إنه قد دخل في الإسلام، ولو كان يقصد من ذلك الكذب والخداع، وقد يكون منافقًا، لكن نحن نقبل منه الظاهر، لكن لو أن إنسانًا حمل المصحف، ثم فعل به فعلًا فيه إهانة للمصحف ولكتاب الله، ولكنه لم ينو ذلك ولم يقصده، فحينئذٍ نقول: إذا لم ينو لا يحكم بكفره، وإن كان ظاهر الفعل يوجب التكفير، لكن لما كان فعله مترددًا بين قصده وعدم قصده فينظر إلى القصد؛ لأن الأصل عدم استباحة الدم إلا بيقين أو غالب ظن، ولما صار مترددًا بين القصد المخلّ وغير المخلّ نظر إلى نيته.

فلو كان رجل يتكلم مع زوجته في سياق مودة ومحبة، وكان قد ربطها، فقالت له: هل انفك الحبل أم لا؟ فقال: أنت طالق، فحينئذٍ دلالة المجلس تدل على أنه لا يريد الطلاق، فهذا اللفظ الظاهر نلغيه وننظر إلى نيته، وأنه لم يقصد الطلاق، وبعض الأحيان ننظر إلى لفظه ولا ننظر إلى نيته، فلو هزل معها وضحك وقال لها: أنت طالق، فإننا نؤاخذه بالظاهر، لحديث: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد) ، فالشرع تارة ينظر إلى الظاهر، وتارة ينظر إلى الباطن، وتارة ينظر إليهما معًا.

فلما اشترى الأضحية احتمل أن يكون اشتراها هديًا أو أضحية، ولو اشتراها أضحية احتمل أن يبدلها بغيرها، واحتمل أن يصرفها إلى نوع آخر، كأن يشتري إبلًا فيستبدلها بغنم، أو يشتري غنمًا فيستبدلها بإبل، كأن يكون له مال قليل، وفي نيته لو وسع الله عليه قبل الذبح فسيشتري بعيرًا وينحره، فهذا نقول له: إنها لا تتعين إلا بقولك: هذه أضحية، وهكذا الحال بالنسبة للهدي؛ فلابد من النية واللفظ.

وقال بعض العلماء: تجزئ النية دون اللفظ، فلو اشتراها وفي نيته ذبحها فإن ذلك يجزيه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت