فهرس الكتاب

الصفحة 3816 من 7030

حكم من استأجر عينًا ثم أجرها لغيره

وقوله: [وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه، لا بأكثر منه ضررًا] .

هذه مسألة لطيفة، إذا أثبتنا أنه من حقك أن تؤجر بيتك وعمارتك وسيارتك، وكل ما أنت مالكه من المنافع، ويجوز لك أن تأخذ العوض على منفعته، وكما أنك تملك العين فإنك تملك منافعها.

لكن لو سأل سائل وقال: استأجرت عمارة ودفعت أجرتها، وأخذت هذه العمارة سنة كاملة بمليون، فلما تم العقد أردت أن أؤجر العمارة على شخص آخر، الآن المالك الحقيقي هو المؤجر للعمارة، وهو الذي يملك منفعتها، فأنت اشتريت هذه المنفعة بمليون سنة كاملة، فهل من حقك أن تبيعها للغير؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وجمهور السلف والعلماء والأئمة وهو قول طائفة من أئمة التابعين وأتباع التابعين، وهو قول جمهرة أتباع الأئمة الأربعة؛ أنه يجوز للمسلم إذا استأجر عينًا أن يؤجرها لغيره، أي: يجوز له إذا استأجر أن يقيم غيره مقامه في الاستيفاء والأخذ، بشرط: أن يكون مثله أو دونه في الضرر، فلا يكون ضرره أكثر من ضرره، وإذا كان أكثر ضررًا فإنه لا يجوز، وهذا كله له أمثلة: مثلًا: لو استأجر رجل منك موضعًا على أن يكون محلًا للبيع -بقالة أو نحوها- والمحل في العمارة إذا أجر (بقالة) فإن فيه منفعة وفيه مضرة، ولكن قد يكون الضرر يسيرًا، لكن مثلًا: لو أنه بعد أن اتفق معك على أن يفتحها بقالة، ثم أراد أن يفتحها محلًا لإصلاح السيارات، فإن في محلات إصلاح السيارات من الإزعاج والأذية ما لا يخفى، وإذا أراد أن يجعل المحل -مثلًا- مكانًا للنجارة أيضًا فإن في أعمال النجارة ضررًا، فالضرر يكون على العين مثل الآلات التي تهز العمارة، وتؤثر في مرافقها.

ومن أمثلتها -مثلًا- لو أنه جاء فأجره محلًا على أنه بقالة، فأراد أن يضع فيها مكينة لصياغة الذهب، مكينة الذهب هذه تؤثر في أساس العمارة، وتؤثر في راحة سكانها، وهذا ضرر أعظم، فيشمل ضرر العين، والضرر المجاور للعين، فالأضرار التي تكون بنقل الإجارة إلى بديل تمنع من الجواز إذا كانت أكثر من الضرر الموجود في الإجارة الأصلية.

فعلى هذا: يجوز للإنسان إذا استأجر عينًا أن يؤجرها لغيره بشرط أن يكون أقل منه ضررًا أو مثله، وهذا لا شك أنه أحفظ للحقوق، فبالعقل اتفقت معه على أن سكنى العمارة سنة كاملة قد اشتريتها منه، ومن اشترى الشيء ملكه، فكما أنه يجوز لك بالملك أن تسكن العمارة يجوز لك أن تؤجر من غيرك، وكما أنه يجوز على سبيل المعاوضة بالإجارة؛ فإنه يجوز -أيضًا- أن تقيم غيرك مكانك على سبيل الهبة، ومن أمثلة ذلك: لو استأجر شقة في عمارة وأراد أن يسكن ضعيفًا أو مسكينًا مكانه؛ صح ذلك وجاز له، لكن لو أن هذا الذي يريد أن يسكنه مكانه هبة أو إجارة أعظم ضررًا لم يجز.

وقد يكون الضرر معنويًا وقد يكون حسيًا، فلا يختص الضرر بكونه يؤثر في العمارة أو مصالحها فقط، بل حتى الضرر الذي يؤثر على أعراض الناس ويحدث لهم فتنة، فمن حق المؤجر أن يلغي الإجارة، ومن حقه أن يطالبه أن يستأجر بنفسه أو يحضر من هو مثله.

فإذا أجر لرجل له عائلة والعمارة كلها عوائل، فلا يجوز له أن يأتي بأناس عزاب ويسكنهم مكانه، فهذا ضرر معنوي، ويخشى فيه على أعراض الناس، وفيه فتنة وضرر، حتى أن الرجل لا يستطيع أن يخرج ويترك أهله، ولا يستطيع كذلك أن يخرج أهله، فلذلك إذا كان الضرر معنويًا فمن حقه أن يعترض.

وأما بالنسبة للضرر الحسي فكما ذكرنا، فكما إذا أجر عمارة أو شقة لرجل وراعاه في سعرها، فلابد أن ينتبه طالب العلم لهذا الأمر، فلربما جاء الرجل وزوجه فرضيت أن تؤجر له، ولربما جاء الرجل وأطفاله فلم تؤجر له، لعلمك أن الأطفال يفسدون ويزعجون، فأنت -مثلًا- في عمارتك لم تؤجر، وتقول له: أنا لم أؤجر إلا لكونك لا أطفال عندك.

فإن ذهب وأجر لرجل له أطفال، فعند ذلك من حقك أن تعترض وأن تقول له: إما أن تسكن أو تسكن من هو مثلك أو دونك في الأذية والضرر، وإلا أخرج من أسكنته، وهذا من الناحية الشرعية لا إشكال فيه، أي: إذا اشترط عليه ألا يسكن من هو أكثر منه ضررًا، أو لم يشترط عليه وجاء بمن هو أضر.

ذكر العلماء من هذا أمثلة: إذا كانت الدابة يطيقها رجل ولا تطيق أن تحمل رجلًا آخر، فلو جاء برجل أقوى منه وأثقل وقال: هذا مكاني.

فلا يمكن؛ لأن هذا يضر بالدابة، ولربما لا تطيق الدابة حمله، فمثل هذا أجاز العلماء أن يعترض عليه ويقول له: أؤجرك وأؤجر من هو مثلك، أما من كان أكثر منك ضررًا فإني أمتنع من إجارته، فالشاهد: أنه يؤجر على من هو مثله أو هو دونه في الضرر.

فلو استأجر رجل عمارة وأجرها في المواسم ونحوها فإن عليه أن يراعي ذلك، وعلى المسلم إذا استأجر من أخيه المسلم أن يتقي الله، فإذا غلب على ظنه أن هذا الذي يؤجر جار سوء أو فيه ضرر، فإن بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول في ذلك: من أجر داره إلى رجل سيء ويعلم بسوئه أو اطلع على سوئه، وسكت على ذلك وأقره ومكنه، فإنه شريك له في الإثم في كل ما يكون من أذية الجار، لأن هذا من البوائق والمصائب، سواء فعله الإنسان بنفسه أو بمن يرضى بفعله بأذية الجار.

فينبغي للإنسان في مسألة إقامة الغير مقامة أن يراعي حقوق الجيران وحقوق إخوانه المسلمين، وأن يراعي حقوق المالك، وبالأخص إذا كانت العين لا تحتمل ذلك أو فيها ضرر، فإن كانت لأيتام أو أرامل أو نحو ذلك فالأمر أشد.

فهناك شرطان: الشرط الأول: أن يكون مالكًا لها.

الثاني: أن يكون مؤجرًا لمن هو مثله أو دونه في الضرر.

ويتفرع على مسألة الملكية مسألة مهمة، وهي: إجارة ما لا يملك إلا بالهبة.

فمثلًا: إذا كان الإنسان قد وهبه سكنى الدار شهرًا، وقصده بعينه، ففي هذه الحالة لا يجوز أن يؤجر إذا كان مقصود الواهب عين الرجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت