فهرس الكتاب

الصفحة 3836 من 7030

وقوله: [وإن استأجرها لعمل كدابة وركوب إلى موضع معين] .

عرفنا أن في إجارة الدور ينبغي أن تُحدد المدة والزمن، وبالنسبة لإجارة الأشخاص وإجارة الدواب ونحوها، فينبغي أن يحدد العمل الذي وقع عقد الإجارة عليه، فمثّل المصنف بأمثلة متعددة هي أشبه بالقواعد لغيرها، أو يلتحق بها غيرها مما هو في حكمها.

فلما قال: (كدابة) أي: استأجر دابة لعمل، واللام للتعليل، أي: من أجل عمل معين، واستئجار الدواب مثال في القديم، فقد كانوا يركبون الخيل والإبل، وكانوا يستأجرونها، إما لحملهم أو لحمل متاعهم، وإما للاثنين معًا، فيستأجر منه الخيل أو الإبل لنفسه، كأن يركب من المدينة إلى مكة، أو يحج معه على دابته ومعه متاعه، أو يستأجره لنفسه فقط، كأن يقول له مثلًا: أريدك أن تنقلني من طرف المدينة الشرقي إلى طرفها الغربي، فهذا نقل للذات، أو يستأجره للمتاع وحده، فيقول له: خذ هذه البضاعة واذهب بها إلى وكيلي بجدة أو وكيلي بمكة، فأصبحت ثلاث صور في إجارة الدابة: إما للركوب، وإما لحمل المتاع، وإما لركوبه مع حمل المتاع.

العلماء رحمهم الله في القديم وضعوا ضوابط يحفظ بها حق المستأجر عند المؤجر، فلا بد في العين التي تؤجر وتستخدم في الإجارة أن يحدد العمل المطلوب منه، فهو مثلًا إذا قال له: أريدك أن تنقلني إلى جدة، أو إلى مكة، لا بد وأن يحدد العمل المطلوب من الدابة على وجه يزول به الغرر، فإذا استأجرها للركوب فلا بد أن يحدد بداية الركوب ونهايته، فيقول مثلًا: تنقلني من المدينة إلى مكة من أجل الحج، أو لعمل المناسك، أو للقيام بأشياء معينة محددة.

والسبب في هذا: أنه تقدم معنا في أول باب الإجارة أنه لا بد من تحديد العمل المطلوب دفعًا للخصومة ورفعًا للضرر، فإذا حدد له بداية العمل ونهايته، وحدد له ما يراد منه فلا إشكال في الجواز.

لكن لو قال له مثلًا: أريدك أن تنقلني إلى بلد بمائة، لم يصح العقد، فإن البلد مجهول.

أو قال له مثلًا: تنقلني إلى مكة أو جدة بألف، لم يجز؛ لأنه ردده بين موضعين، فلا ندري هل يذهب به إلى جدة أو يذهب به إلى مكة، وقد اختلفت مسافتهما، هذا بالنسبة للركوب.

كذلك عليه أن يحدد الشيء الذي سيحمل على الدابة، فيقول: تحملني.

أو يقول: تحمل متاعي.

فإن كان من الطعام فيبيّن أنه طعام ويبين كذلك نوع هذا الطعام الذي يحمل، وإن كان من الكساء واللباس فيحدده أيضًا، فلا بد من التحديد دفعًا للضرر؛ والسبب في هذا: أن المحمول يختلف، فلربما قال له: انقل لي هذه البضاعة من المدينة إلى جدة، وتكون البضاعة مثلًا من الحديد، فحمل الحديد ليس كالقماش؛ لأن القماش أخف في العبء على الدواب أو على الآلة التي تحمله، فإذا لم يحدد المحمول ربما ظن صاحب السيارة أو صاحب الدابة أن المحمول خفيف وظهر له بعد ذلك أنه ثقيل؛ لأن المحمول الثقيل له أجرة والمحمول الخفيف له أجرة، فلا بد من تحديد نوعية المحمول.

فإذًا: لا بد وأن يحدد المكان وأن يحدد المحمول هل هو الشخص بنفسه، أو متاعه، أو هما معًا، فإذا تم ذلك على وجه تام وليس فيه غرر فلا إشكال، وهذا في القديم.

أما بالنسبة لعصرنا الحاضر، فإذا أراد أن يسافر وأراد أن يركب سيارة أو يستأجرها وقال له: احملني، فلا إشكال أن تقول له: أحملك بنفسك، أو راكبًا آخر يقوم مقامك، فالحكم واحد، إلا إذا حصل هناك اختلاف من حيث الجنس بالذكورة والأنوثة، وأن يكون هذا الاختلاف موجبًا لاختلاف القيمة وموجبًا للتعب أكثر، كأن يكون المحمول مثلًا مريضًا، وهذا المريض سيشق على السائق؛ وربما تعب عليه في الطريق، أو ربما انتظر، فلا بد وأن يحدد حتى لا يكون هناك وجه للغرر، وكل ذلك بموجب الشروط التي ذكر العلماء أن القصد منها المحافظة على حق الطرفين؛ المؤجر والمستأجر.

وقوله: [أو بقر للحرث] .

أي: أو استأجر البقر للحرث، فقد كانوا في القديم يحرثون الأرض بالبقر، فيوضع المحراث ثم يجر البقر المحراث، أما في العصر الحاضر فتوجد آلات معينة تقوم بالحرث، وهذه من نعم الله عز وجل على عباده، فإذا استأجر من أجل حرث الأرض، فلا بد وأن يحدد العمل الذي يريد منه في تلك الحراثة، لأن الحراثة درجات، ولها طرق معينة، فإذا كان لها أكثر من طريقة فلكل طريقة قيمتها، وينبغي أن يقول: تحرث لي مثلًا بالدرجة الأولى أو بالدرجة الثانية، أو تحرث لي حرثتين، فإذا اتفق معه على حرث فليحدد العمل.

كل هذه الجمل يقصد المصنف منها تحديد العمل المفروض من المستأجر للأجير.

وقوله: [أو دياس زرع] .

كانوا في القديم إذا حصدوا الحصاد كالحبوب مثلًا، فالواحد منهم يحتاج إلى أن يعرف الحبوب إذا يبست ويبس سوق الحب فتمر عليه الدواب وتدوسه، حتى تأتي الرياح وتأخذ القش ويبقى الحب.

فإذا استأجر أحدهم الدابة فعليه أن يحدد العمل المطلوب منها.

وفي زماننا لو كان هناك عامل التزم أن يقوم بتصفية الحب، فإنه ينبغي تحديد وقت العمل، فبعض الأحيان يحدد بالساعات، وبعض الأحيان يحدد بالأيام، فيقول له مثلًا: أريد أن أشتغل عندك يومًا في تصفية هذا الحب، واليوم بمائة، يجوز ذلك، فإذا حدد له بالزمان يصير لا إشكال، لكن يبيّن له ما الذي يفعله؛ لأن تصفية الحبوب درجات، فإذا كانت هناك درجات فيحدد له الدرجة التي يبدأ بها، فقد تكون تصفيته -مثلًا- بطريقة معينة يحددها له، فالمهم أنه أي عمل يتردد بين عملين فأكثر ينبغي أن يحدد للعامل حتى لا تقع خصومة بين الطرفين.

وخذها قاعدة: أن الإجارة إذا ترددت بين شيئين اثنين متفاوتين في القيمة؛ فلا يجوز للطرفين أن يبرما العقد بينهما بهذا الأمر، فإن قيل: لماذا؟ قلت: الأمر واضح؛ لأنه إذا أبرم العقد على هذا الوجه فإنه سيؤدي إلى الخصومة وإلى الأذية والإضرار، فكل من الطرفين سيحرص على أن يأخذ بالأحظ لنفسه، وهذا لا شك أنه يفتح باب الشقاق والنزاع.

ومن هنا: تستطيع أن تتحدث عن ميزة الشريعة في الفقه الإسلامي، فمن مميزاتها: أنها تحرص على أخوة الإسلام حتى في التعامل الدنيوي، ولذلك نهت عن بيع المسلم على بيع أخيه، ونهته أن يبيع أو يؤجر على وجه فيه غرر وضرر؛ لأن هذا يحدث الخصومة، ويوغر القلوب على بعضها، ويدفع أصحاب النفوس الضعيفة لاستغلال الفقراء والضعفاء في إجارتهم.

فيقول له مثلًا: خذ هذا الحب وصفِّه، والحب إذا صفي بدرجة كبيرة زاد له مائة، وإذا صفي بأقل كان له خمسون، فيقول له: خذ وصفه بخمسين، فعندما يأتي يصفيه بدرجة معتادة يقول: إنما قصدت التصفية العالية، فإذا قال له: أنت أعطيتني خمسين فقط، قال: خمسون لكن شرط أن تصفيه بدرجة عالية.

فيحدث بينهما النزاع والشقاق، ولذلك قفلت الشريعة هذا الباب.

فلا يبرم العقد بين الطرفين على شيء متردد إلا بالتعديد والبت، فإذا بت الطرفان انقطع السبيل لحصول الخصومة والضرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت