قال رحمه الله تعالى: [وبعد قيامهما: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) ومأموم في رفعه (ربنا ولك الحمد) فقط] .
أي: يقول حال رفعه أثناء الانتقال: (سمع الله لمن حمده) ، حتى إذا استتم قائمًا قال: (ربنا ولك الحمد) ، سواءٌ أكان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، فالإمام والمنفرد إذا أراد أن يُسَمِّع فأثناء الفعل، وبعضهم يترك التسميع حتى ينتصب قائمًا، وهذا ليس من السنة، والسنة أن يكون التسميع أثناء رفعه من الركوع فيقول: (سمع الله لمن حمده) و (سمع) قيل معناه: استجاب الله دعاء من حمده، ولذلك كان من السنة استفتاح الأدعية بالحمد وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله) ، قالوا: وهذا يدل على أن من علامات إجابة الدعاء الاستفتاح بحمد الله تبارك وتعالى والثناء عليه.
فإذا انتصب الإمام قائمًا قال: (ربنا ولك الحمد) ، أو قال: (ربنا لك الحمد) ، فهذا كله وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
واستحب طائفة من العلماء رواية الواو: (ربنا ولك الحمد) ، وفضلها على رواية: (ربنا لك الحمد) ؛ لأن رواية الواو فيها زيادة معنى، فأنت تقول: (ربنا) أي: أنت ربنا، (ولك الحمد) أي: فيه معنى زائدٌ، فتثبت له الربوبية مع الثناء عليه بالحمد، لكن إذا قلت: (ربنا لك الحمد) قالوا: هذا معنىً واحدٌ، والأفضل الأول، وبالنسبة للإمام أو المنفرد فإنه يجمع بينهما، فيقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ، أو: (ربنا لك الحمد) ، والمأموم يقتصر على قوله: (ربنا ولك الحمد) .
ولهذا يقول المؤلف عليه رحمة الله: [ثم يرفع رأسه ويديه قائلًا إمام ومنفردٌ: (سمع الله لمن حمده) ، وبعد قيامهما: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) ومأموم في رفعه: (ربنا ولك الحمد) فقط] .
فذكر رحمه الله ما ينبغي على المصلي بعد انتهائه من الركوع من رفعه، وهذا الرفع أمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح من حديث المسيء صلاته، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على لزومه في الصلاة، وإن كانوا قد اختلفوا في الطمأنينة في هذا الرفع، وقد تقدم بيان الأذكار وخلاف العلماء رحمهم الله في مسألة الجمع، ثم ذكر المصنف رحمه الله الدعاء المأثور الذي يقوله بعد قوله: (سمع الله لمن حمده) ، أو قول الإمام: (سمع الله لمن حمده) وهو أن يقول: (ربنا ولك الحمد) ، أو على الرواية الثانية: (ربنا لك الحمد) ، ورواية الواو أوجه عند بعض العلماء، والسبب في هذا أن رواية الواو فيها زيادة معنى، كأنك تقول: (أنت ربنا) ، ثم تقول: (ولك الحمد) .
وذكر رحمه الله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه بقوله: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد) ، وفي رواية: (لا مانع لما أعطيت) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ملءَ) : أي حال كونه ملءَ السماوات وملءَ الأرض، وهي رواية الفتح.
وقد احتج بهذا الحديث طائفة من العلماء رحمهم الله على أن الأعمال توزن يوم القيامة، وهي مسألةٌ خلافية بين أهل العلم، فهل الذي يوضع في الميزان هو الإنسان نفسه يوم القيامة، وعلى قدر صلاحه وفساده يكون الوزن، أم أن الذي يوزن هو عمله قولًا كان أو فعلًا أو اعتقادًا، أم مجموع الأمرين؟ فقال بعض العلماء: الذي يوزن هو الإنسان نفسه؛ لقوله تعالى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105] ، ولقوله عليه الصلاة والسلام لما اهتزت الشجرة بـ ابن مسعود فضحك الصحابة من دقة ساقيه: (ما يضحككم من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد) ، فهذا يدل على أن الموزون هو الإنسان نفسه.
وقال بعض العلماء: إن الموزون هو العمل؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقليتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .
فقد دلّ هذا الحديث الصحيح على أن قول الإنسان للذكر هو الموزون، قالوا: فالعمل شامل للقول والفعل، وكله يوزن.
والصحيح أنه يوزن الإنسان نفسه وعمله؛ لأن النصوص وردت بالجميع، والقاعدة تقول: (النصوص إذا وردت بأمرين فلا يصح إثبات أحدهما ونفي الآخر إلا بدليل) ، فكما أن الله أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن الإنسان يُوزَن، وأخبر بما يدل على أن العمل يُوزَن فنقول: كلٌ صحيح، وكلٌ خرج من مشكاةٍ واحدة، فالإنسان يوزن، وعمله يُوزن، وعرصات القيامة مختلفة -كما هو جواب ابن عباس رضي الله عنهما أن عرصات يوم القيامة مختلفة- والمراد بالعرصات: المواقف -نسأل الله أن يلطف بنا وبكم فيها-، فتارةً توزن الأعمال، وتارة يوزن أصحاب الأعمال، وكلٌ على حسب ما يكون منه من خير وشر.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (ملء السماوات وملء الأرض) دلّ على أن الحمد موزون، وأن له ثقل، فقال في هذا الثقل: (ملء السماوات وملء الأرض) ، وهذا يدل على عظم ما للعمل الصالح من عاقبةٍ، وكونه له أثر في ثقل ميزان العبد يوم القيامة.
وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع بعض أصحابه يقول وراءه: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (من المتكلم بها؟ فقال: أنا يا رسول الله فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها) وفي رواية: (رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول) ، فلو نظرت في حروف هذه الكلمات لوجدتها ما يقارب اثنين وثلاثين حرفًا، فكان هذا مناسبًا، كأن لكل حرف ملك يرفعه، وهذا يدل على فضل ذكر الله عز وجل، وأن له عند الله عز وجل شأنًا عظيمًا، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذاكرين.
فورد عن النبي صلى الله عليه وسلم التحميد بقوله: (ربنا لك الحمد) ، وقوله: (اللهم ربنا لك الحمد) (اللهم ربنا ولك الحمد) .
وقوله: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد) إنما يقع بعد التحميد، ولا يكون من الإمام جهرًا.
وقال بعض العلماء: يستحب للإمام أن يرفع صوته قليلًا ببعض الأذكار إذا كان بين قومٍ يجهلونها وهذا على سبيل التعليم؛ فإن العوام والجهال قد يحتاجون من طلاب العلم ومن الأئمة إلى بيان بعض السنن، ويفتقر هذا البيان إلى نوعٍ من الوضوح، كأن يرفع الإمام صوته قليلًا، ولذلك جهر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدعاء الاستفتاح، لكي يعلم الناس دعاء الاستفتاح.
قالوا: فلا حرج أن يجهر الإمام أحيانًا بمثل هذه الأدعية المأثورة تعليمًا للناس بالسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.