فهرس الكتاب

الصفحة 4411 من 7030

قوله: [فإن شَرَط فيها عوضًا معلومًا فبيعٌ] الهبة تنقسم إلى قسمين: - إما أن يهب الإنسان الشيء ولا يريد عوضًا عليه.

-وإما أن يهب الشيء ويريد عليه العوض.

فالنوع الأول: هو مطلق الهبة، يقال: هذه هبة، والنوع الثاني: يقال له: هبة الثواب.

تقيَّد؛ لأنها مقصودة، ويراد منها أن يرد الموهوب له هذه الهبة.

أما بالنسبة للنوع الأول فغالبًا ما يكون من الكبير للصغير، كالأغنياء إذا وهبوا الفقراء، فإنها تكون هبة، والأمر فيها واضح، أن الغني إذا أعطى الفقير غالبًا لا يريد شيئًا منه في مقابل هذه الهبة، وهبة الوالد لولده ونحو ذلك، هذه كلها هبات مطلقة.

لكن هبة الثواب أن يعطي الهدية يريد أحسن منها أو مثلها، وهذا النوع من الهبات حرمه الله عزَّ وجل على نبيه، وذلك في قوله سبحانه: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6] أي: لا تهب الهبة تريد ما هو أكثر منها؛ لأن هذا هو شأن الضعفاء.

وهذا النوع وهو هبة الثواب جائز، وشبه الإجماع منعقد عليه؛ لكنه محرم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الأشياء التي اختُص النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمها، وغيره من سائر الأمة لا يدخل في هذا، وحرمه الله عزَّ وجل على نبيه؛ لأنه فيها منقَصَة.

وتعرف هبة الثواب: إما بالشرط، وإما بالعرف.

بالشرط: يشترط عليه أن يرد عليه هديته، فيقول له: هذه السيارة هدية، فإن جاءتك سيارة من نوع كذا وكذا فهبها لي، هذه لها أحكام خاصة.

العرف: يدل على هبة الثواب، ومن أمثلته: ما يجري في الزواج، وهذا موجود من القديم أن الشخص يأتي في زواج قريبه ويعطيه هدية بهذه المناسبة، وجرى العرف أنه إن تزوج الواهب فإن الموهوب له يرد له هديته.

في هذه الحالة عمومًا، هبة الثواب: إما أن يعطيه مثلما أعطى، أو يعطيه أفضل مما أعطى، لكن لا يعطي الأقل.

ومما يدل على هبة الثواب بالعرف: الهبة للعظماء والكبراء، إذا كانت من الضعفاء.

فمثلًا: إذا كان الإنسان غنيًا ثريًا وجاءه فقير وأعطاه هدية، فإنه واضح أنه يريد منه مكافأةً، ويريد منه ردًا لهذا الجميل والمعروف، فيكون حكمه حكم هبة الثواب.

والسبب في التفريق: أن هبة الثواب فيها حقوق، وجرى العرف بأن فيها حقًا للشخص الذي يهب، فلو امتنع الموهوب له وقال: لا.

ما أرد، فإنه حينئذٍ يُلزم، لأن لها حكمًا خاصًا بخلاف الهبة العامة، فإذا كانت الهبة جرى العرف أنها تُرَد، تردُّها وتكافئ من وهبك وأعطاك؛ سواء كان ذلك للمناسبات مثل الزواجات ومثل المولود إذا وُلد، يُعطى والده.

وفي الحقيقة: هي عادة طيبة ومحمودة؛ لأن الإنسان في زواجه قد لا ترضى نفسه أن يأخذ من الناس شيئًا على سبيل الصدقة، ولا ترضى نفسه أن يطلب ويسأل الناس، فمثل هذه الهبات والهدايا تعينه وتساعده على الزواج وإعفاف نفسه، إضافةً إلى أنها تزيد من المحبة بين الناس حتى ولو وقع من بعضهم تفريط فإنه تحت وجود وطأة هذه الأعراف يحس أنه مضطر إلى أن يحضر هذا الزواج والنكاح، وفي هذا أيضًا تحقيق لمقصود الشرع من إجابة الوليمة والدعوة.

فهبة الثواب لها حكم خاص، وسواء وقعت بالشرط أو بالعرف فإنها تكون في حكم البيع، وتكون هبة معاوضة، تتفرع عليها مسائل، سيأتي بيانها -إن شاء الله- عند تقرير المصنف -رحمه الله- أنها في حكم البيع.

على كل حال الهبة تنقسم إلى هذين القسمين: الهبة المحضة، والهبة بقصد الثواب.

وتُعْرَف الهبة بقصد الثواب: إما بالشرط، وإما بالعرف.

فإذا وقعت بالشرط فلا إشكال، يهبه ويشترط عليه الرد، وأما إذا كانت الهبة للثواب بالعرف فإنها تأخذ أيضًا حكم البيع، أما إذا كانت هبة مطلقة فلا إشكال فيها.

قوله: (فإن شَرَط فيها عوضًا معلومًا فبيع) العوض هو: المقابل، عاوض الشيءَ بالشيء إذا جعله مقابلًا له.

قال: وهبتُك هذا العسل على أن تعطيني -مثلًا- كتابك الفلاني أو على أن تعطيني كذا وكذا.

وسمَّى شيئًا معلومًا، فحكمها حكم البيع.

فائدة: كوننا نحكم أنها كالبيع: أنه لو وهبه سيارةً واشترط عوضًا لها شيئًا آخر، فأعطاه ذلك الشيء ثم تبين أن السيارة الأولى معيبة، فهل يستحق الرد؟ هذه المسألة قال بعض العلماء: يستحقه.

وهو الصحيح، أنها إن جرت مشارَطَةً أو أخذت حكم البيع وظهر العيب، قال له: وهبتك ساعتي على أن تهبني ساعتك.

فقال: خذ ساعتي.

فصارت ساعة بساعة، ثم تبين أن إحدى الساعتين فيها عيب.

فيستحق الرد.

فإذًا: إذا أخذت حكم البيع جرى عليها ما يجري على البيع من أحكام، ويكون فيها الخيار على القول واللزوم.

فبيانه -رحمه الله- أن المشارطة فيها: للعوض المعلوم، ولذلك يشترط أن يكون العوض معلومًا؛ لأن البيع لا يصح بالمجهول، كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت