قال رحمه الله: [ولا تعتبر القيمة في ذلك] : أي: في الإبل، والقيمة هي الألف دينار والاثنا عشر ألف درهم، فهذه المسألة فيها إشكال، وإذا دفعنا الدية من الإبل فهناك حالتان: الحالة الأولى: أن تساوي قيمة الإبل قيمة الذهب والفضة، وحينئذٍ لا إشكال عند العلماء ولا اختلاف؛ لأنه حينئذٍ صارت عدلًا، والقيمة مساوية للإبل.
الحالة الثانية: أن تكون قيمة الذهب والفضة الألف دينار، فهل تكون الإبل أغلى أو أرخص؟ تكون أرخص، بمعنى أنها لا تعادل الألف دينار، فتكون مثلًا تعادل ثمانمائة دينار -ثمانمائة مثقال- فحينئذٍ نقصت قيمة الإبل عن معادلة الذهب.
الصورة الثانية: أن تزيد قيمة الإبل على قيمة الذهب والفضة، فتكون المائة من الإبل تعادل مثلًا ألفي دينار، يعني الضعف، ولربما ألفًا وخمسمائة، فقال: سواء زادت أو نقصت العبرة بالإبل سواء كانت قيمتها غالية أو رخيصة، وهذا هو الصواب إن شاء الله؛ لأن قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدل على هذا أيضًا؛ فإنه قال: (ألا إن الإبل قد غلت) .
قال بعض الأئمة كما اختاره الإمام ابن قدامة وأشار إليه: إن الإبل كانت على زمان النبي صلى الله عليه وسلم تعادل الثمانمائة دينار، ولذلك يقول عمر: (ألا إن الإبل قد غلت) ولما غلت عادلت في عهده ألف دينار، وهذا يدل على أن الزيادة والنقص لا تأثير له، وأن الإبل هي الأصل، وهذا مبني على المذهب الذي اخترناه؛ أن الإبل هي الأصل في الديات، وأن الواجب الرجوع إلى الإبل والعمل بذلك.
قال: [ولا تعتبر القيمة في ذلك بل السلامة] : بل يجب أن تكون الإبل المدفوعة في الدية سالمة من العيوب بريئة من العيوب المؤثرة، والعيب هو: النقص، يقال: عاب فلان فلانًا إذا انتقصه، ولما كان العيب في الإنسان نقصانًا في خلقته، قيل له: عيب، من هذا الوجه.
فالعيب ينقسم إلى قسمين: عيب مؤثر، وعيب غير مؤثر.
والعيب المؤثر ضابطه في الإبل والبقر والغنم: هو الذي يوجب نقصان المالية نقصانًا مؤثرًا، بعض العلماء يضيف هذا القيد (نقصانًا مؤثرًا) يعني لو أنقصها شيئًا تافهًا أو يسيرًا لا يؤثر.
وبناءً على ذلك: لو -مثلًا- جئنا نأخذ دية الإبل من القاتل، أو أولياء القاتل، فأعطانا إبلًا عرجاء، أو شلاء، أو مقطوعة الأذن، أو عجفاء، أو هزيلة أو مريضة، كل هذا لا يجزئ، بل لابد وأن تكون سالمة من العيوب.
وكذلك العيب الخلقي، مثل جنون الحيوان، يقولون: يمكن أن يوصف الحيوان بالجنون، فيجن في بعض الأحيان، وليس له عقل في الأصل، لكن يقول العلماء: إنه لا يستقر ويضطرب، ففي هذه الحالة يقولون: لا يجزئ حتى في الأضاحي والزكاة، فإذا كانت معيبة عيبًا مخلًا فإنها لا تجزئ في الدية، ومن حق أولياء المقتول أن يردوها.
لكن لو رضوا وقالوا: قبلنا ورضينا بها سقط حقهم، وهم في ذلك بالخيار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.