قال رحمه الهل: [يثبت لكل واحد منهما الفسخ] أي للرجل وللمرأة.
قال: [ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله] قال: (ولو حدث بعد) ولو: إشارة إلى الخلاف، فلو فرضنا أن الجنون عيب، وأنه عيب إذا كان قبل العقد، فكذلك لو أن الجنون طرأ عليه بعد العقد، فإنه إذا جن الزوج ثبت للمرأة الخيار، ونقول لها: إن شئتِ بقيتِ وتحملتِ وصبرتِ والله يأجركِ على ذلك وأنتِ مثابة وهذا صنيع الصالحات، وإن شئتِ طالبتِ بالفسخ؛ لأن المرأة لا تحمل ما لا تطيق، والعكس بالنسبة للرجل، لو أن امرأته أصابها جنون، فإن أراد أن يصبر فكريم يؤجر وهو مثاب على ذلك والله سبحانه وتعالى سيعوض صبره ويعظم أجره ويحسن الذخر له، وإن قال: لا أستطيع أو لا أتحمل ذلك فمن حقه، فيفسخ النكاح.
قال: (أو كان بالآخر عيب مثله) تزوج المرأة وبها مرض، مثلًا: قروح سيالة، ورضي بها، ثم لما وطئها تبين أن فيه عيبًا مثلها، وأن فيه قروحًا انفجرت وسالت، فلما عرفت قالت له: ما أريدك، فقال: بكِ مثل ما بي، يعني: الحال واحد هنا وليس هناك فرق وما ظلمتكِ، فقال طائفة من العلماء: إن كان به من العيب مثلها فلا خيار؛ لأنه ليس فيه ظلم واضح؛ لأن هذا عيب بعيب، كما قالوا: بئر بغطاه، فهم يقولون: هذا العيب لقاء هذا العيب، فإذا قالت: هذا نقص لي، فهو بها، فليس فيه نقص، ولو قالت: ضرر بي، فهو استضر على ضررها والعكس، وقال بعض العلماء: بل إنه يثبت فيه الخيار لمن لم يتنازل عن حقه منهما.
والأول أشبه بالمعنى والثاني أشبه بالنظر، ولذلك يقوى الثاني أكثر من الأول؛ لأنه لما علم بها وسكت عن عيبها سقط حقه، فيكون الحكم مستأنفًا بالنسبة لها، فكونه أعطي الحق أولًا ورضي لا يجعلنا نلزمها برضاه؛ لأن لكل واحد رضًا مستقلًا، فالعيب إذا طرأ عليه فإنه يثبت لها الخيار؛ لأنها إنما رضيت به كاملًا، فإذا تبين به العيب كان لها الخيار مستأنفًا، وهذا أفقه وأقوى أي: القول بأن له الخيار ولو كان بالثاني عيب كما قال المصنف: (ولو كان به مثله) فلو كان بالآخر مثله حق له الفسخ، وذلك لأن الأول قد رضي بإسقاط حقه ولكن الثاني لم يرض بإسقاط حقه، فمن حيث الفقه هذا القول أقوى وهو اختيار المصنف.