السؤالهل مفهوم القياس عند السلف رحمهم الله هو مفهوم الموافقة وعدم الفارق، أو هو بالعلة المستنبطة؟
الجوابالقياس يعتبر بالعلة المستنبطة، أما مفهوم الموافقة والمخالفة فهذا له حكمه المستقل، ويسمى مفهوم الموافقة: دلالة اللفظ على ما وافقه، ويدعونها دلالة المطابقة، وهذه لها حكم خاص، أما القياس فلا يكون إلا بالعلة، وللعلة مسلك يفتقر إلى السبر والتقسيم، فتسبر الأوصاف التي يمكن أن تكون صالحة لتعليل الحكم، ثم بعد ذلك تبقي الصالح منها وتلغي غير الصالح.
وقد تكلم العلماء في ذلك ومن أنفس مباحث علم الأصول وأدقها والذي يعين على فهم النصوص وفهم خلافات العلماء في الأدلة وردوده ومناقشاته مبحث التعليل، وهو من أدق المباحث وأصعبها وأعقدها، وقد ألف فيه بعض العلماء تأليفًا مستقلًا، حتى كتب فيه الغزالي كتابه المشهور: شفاء الغليل، بيّن فيه أوجه ومسالك التعليل من النصوص الواردة في التنزيل، كيف تستنبط العلة، وكيف تستخرجها، وما هي الأوصاف المعتبرة للتعليل، فهذا مبحث مهم جدًا من مباحث القياس، ولا يمكن للإنسان أن يقيس حتى يعرف كيفية استنباط العلة، والعلة المعتبرة والعلة غير المعتبرة، هذا أمر لابد منه، فمسألة القياس شيء ومسألة المفاهيم شيء آخر.
والمفهوم إما أن يكون مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة، على ما هو معروف في المفاهيم، وأما بالنسبة للقياس فإنه يفتقر للتعليل، فلابد من العلة، وتكون العلة منصوصًا عليها وتكون مستنبطة، فأقوى العلل ما كان منصوصًا عليها.
قال عليه الصلاة والسلام: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذًا) ، فلما قال: (أينقص الرطب إذا يبس؟) دل على أن سبب التحريم هو عدم وجود المماثلة التي هي معتبرة لبيع الرطب بالتمر، فما دام الرطب والتمر من أصل الأصناف الربوية فلابد فيه من التماثل والتقارب اللذان هما الشرطان المعتبران، فلما قال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذًا) ، أي: لا يجوز بيع الرطب بالتمر التي هي المزابنة، ورخص في العرايا صلوات الله وسلامه عليه، لكن الأصل عدم جوازها، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (أينقص) ثم قال: (فلا) نبه وأشار إلى العلة.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما في الإناء؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) إن قوله: (فإن أحدكم) بمثابة التعليل، ولذلك من يرى أن العلة هي خوف النجاسة، قال: لو أنه حفظ يده ونام لم يجب عليه غسلها؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، وهذه علة مستنبطة من النص.
كذلك أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه بثوبين، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) فلما قال: (فإنه يبعث ملبيًا) ، كأنه يقول: أمرتكم بهذا الأمر لعلة وهي كونه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ففهم منه: أن المحرم لا يمس بطيب، وأن المحرم يجوز له أن يغتسل إلى غير ذلك من الأحكام التي استنبطت بناء على هذا التعليل.
والمقصود: أن طالب العلم إذا أراد أن يرى مسألة القياس أو طريقة القياس فلا بد له من أن يضبط العلة.
وللعلة ضوابط، ثم أيضًا العلة هذه لها مناقشات، فليست كل علة مسلمة، وهناك للعلماء رحمة الله عليهم ضوابط وأقيسة وهي الأركان المعروفة، ثم إن لهذه الأركان شروطًا، فهناك شروط للأصل، وشروط للفرع، وشروط للعلة.
فلابد أن يعلم طالب العلم هذه الشروط حتى يكون قياسه صحيحًا، وأي قياس يقع فإنه يرد عليه أربعة عشر استفسارًا، يسميها العلماء: قوادح القياس، وهذه الأربعة عشر استفسارًا كل استفسار يوجه على جزئية معينة في القياس، فإذا صحت وثبتت وسلّم بها المناظر بطل قياسه، وهذه يسمونها قوادح القياس، فليس كل إنسان يقيس تأتي وتعترض عليه وتقول: هذا قياس غير صحيح، لا.
هناك قياس من مسلك معين؛ لأنه دليل شرعي ومنضبط بضوابط، فلا يظن البعض أننا لما نقول: قياس.
أن هذا فقط مجرد رأي وهوى، لا.
بل هو أمر منضبط ومحدود بضوابط معينة؛ لأن هؤلاء العلماء وضعوا هذه الضوابط وهي ثمرة جهود قرون عديدة وأئمة على أزمنة مديدة وهم يدرسون هذا الأمر ويتفقهون في الشرع ويفهمون متى يصح هذا النوع من الأدلة ومتى لا يصح.
والله تعالى أعلم.