فهرس الكتاب

الصفحة 1893 من 7030

وقوله: [ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب] .

شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان المسائل والأحكام المتعلقة بنية الصائم؛ والسبب في ذلك: أن الصوم عبادة، والعبادة لا تصح إلا بنية، وبيان أحكام العبادة التي لها نية يستلزم بيان حكم النية وحدودها وضوابطها.

وينقسم الصوم إلى قسمين: صوم فريضة، وصوم نافلة.

فكلا القسمين لا يصح إلا بنية، فلو أن إنسانًا أضرب عن الطعام واستمر إضرابه يومًا كاملًا، فإننا لا نقول: إنه صائم، ولا يحكم بصومه لا نافلة ولا فريضة؛ لأنه لم يقصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الامتناع، وهكذا لو امتنع عن الطعام والشراب ليخفف وزنه، أو خوفًا من الطعام والشراب أن يضره في جسده، فمثل هذا لو استمر يومًا كاملًا لا نحكم بكونه صائمًا؛ لأنه لم ينو التقرب لله سبحانه وتعالى.

أما بالنسبة للصوم الذي فرضه الله على المكلف: فإنه لا يُجزئه ولا يصح منه إلا إذا بيت النية بالليل، والدليل على ذلك: قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وقوله سبحانه وتعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر:2] .

ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله أمر بإخلاص العبادة لوجهه، والإخلاص يتوقف على النية، فلا عبادة إلا بنية، والصوم عبادة لا يصح إلا بنية.

وأما دليل السُّنة: فحديث أم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها وأرضاها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يُبَيِّتِ النية بالليل فلا صوم له) وفي رواية: (من لم يجمع النية بالليل فلا صوم له) .

ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بعدم صحة الصوم إذا لم يبيت صاحبه النية بالليل.

وثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات) والصوم عمل.

ومن أدلة السُّنة أيضًا: ما ثبت في الصحيح من الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فقال: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) أي: قاصدًا التقرب لي؛ فدل على أنه لا صوم شرعًا إلا إذا قصد أن يترك الطعام والشراب لوجه الله عز وجل.

ولذلك فضل العلماء الصوم حتى قال بعض فقهاء الشافعية -وهو أحد الأوجه في مذهب الإمام الشافعي: والصوم أفضل من الصلاة؛ والسبب في ذلك هذا الحديث، قالوا: لأن الله تعالى يقول: (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) قالوا: وأفضل الأعمال وأحبها إلى الله: الإخلاص، الذي هو التوحيد، فلما كان الصوم قائمًا على الإخلاص وروحه ولبه للإخلاص قالوا: شرُف وفضل على الصلاة من هذا الوجه.

والصحيح: أن الصلاة أفضل من الصيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) ولما ثبت في الصحيحين من قوله: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها) .

والصوم ينقسم إلى قسمين: الفريضة، والنافلة: أما الفريضة: فلا تصح إلا بنية وجهًا واحدًا.

وأما النافلة ففيها قولان للعلماء رحمة الله عليهم: منهم من يقول: لابد من تبييت النية في النافلة، فلو أردت أن تصوم الإثنين أو الخميس تقربًا إلى الله عز وجل فلا بد أن تنوي الصيام في ليلة الإثنين وليلة الخميس.

وقال جمع من العلماء: يصح أن يصوم النافلة وينشئ نيتها وهو لم يجمع النية بالليل، وهو الصحيح؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه قال:(هل عندكم شيء؟ قالت: لا.

قال: إني إذًا صائم)وهذا في النهار؛ فدل على أن صوم النافلة يجوز أن ينشئ الإنسان صومه من النهار، ولا يجب عليه أن يبيت النية من الليل.

فلو أصبحت يوم الإثنين وأنت لا تدري أنه الإثنين، ثم قيل لك بعد صلاة الفجر قبل أن تطعم شيئًا: هذا يوم الإثنين، فقلت: إني إذًا صائم؛ صح صومك.

وهكذا لو أصبحت ولم تجد فطورًا، وكنت قد أصبحت من بعد طلوع الفجر لم تأكل شيئًا، فلما لم تجد طعامًا أو شيئًا تفطر به قلت: إني إذًا صائم أو أستمر بقية يومي صائمًا، صح ذلك وأجزأك؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويعتبر حديث أم المؤمنين عائشة مخصصًا لحديث أم المؤمنين حفصة.

فنقول: الأصل تبييت النية بالليل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يبيت النية بالليل فلا صوم له) لكن يستثنى صيام النافلة لحديث أم المؤمنين عائشة الصحيح؛ فصيام النافلة يجوز لك أن تنشئه بعد طلوع الفجر ولا حرج عليك في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت