السؤاللدي مشكلة وهي عدم رضا والدي عني مهما فعلت وبذلت، ويواجه هذا الإحسان بالإساءة والسب، فبماذا تنصحني؟ أثابكم الله.
الجوابباسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: أسأل الله العظيم أن يعينك، وأن يرزقك رضا والديك عنك، وأن ينزع ما في قلب أبيك عليك.
أخي في الله! أوصيك بالصبر، ومن صبر ظفر، وليس هناك أعظم للمؤمن بعد الإيمان بالله عز وجل من صبره على طاعة الله عز وجل، فأنت تخوض غمار رحمات الله ببرك لوالديك.
واعلم أن أفضل ما يكون البر إذا وجدت صدودًا وإعراضًا من الوالدين فأبيت إلا أن تبر، فتحسن ويسيئا، وتكرمهما ويهينانك، وتعطيهما ويحرمانك، فإذا كنت كذلك انصرف قلبك لله، ولم ينصرف لغيره أو أحد سواه، لعلمك أن الله لا يضيع لك الأجر، فاطمأننت بالله ووثقت أن الله نعم المولى ونعم النصير، واستجبت لأمر الله عز وجل، وكأن لسان حالك يقول: يا رب! إني أبر والدي وألتمس رضاهما وأقدم ما أوجبت عليّ في حقيهما، فأسألك أن تتقبل مني وأن ترضى عني.
ثم بعد ذلك رضيا أو لم يرضيا لم تبال بذلك؛ لأنك تعامل الله وحده وترجو ثواب الله المطلع على الخفايا الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30] وكان الناس حينما نزل الوحي مبتلين بشرك الوالدين وكفر الوالدين، فيجاهد الوالدان الولد على الكفر والشرك، ومع ذلك تتنزل الآيات بالعضات البالغات والكلمات الصادقات تأمر ببر الآباء والأمهات، ووالداك على الإيمان والحمد لله، فاصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، واصبر فإن الله مع الصابرين، واصبر فإن الله يحب الصابرين، لا تعلم مقدار ما لك من الأجر، وكم من بار لوالديه قد ضحك الوالدان وسر الوالدان ببره فاغتر بسرورهما، وفاته شيء كثير من الإخلاص بسبب عطفهما وأنسهما.
أما أنت فسلط الله عليك أن تدخل على الوالد عبوسًا، وأن تدخل على الوالد سابًا شاتمًا، فينكسر قلبك لله، وتطمع في رحمة الله، وترجو ما عند الله، فيستهزئ بك أبوك، ولكنك واثق أن معك الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان:58] الله لك خير من والديك، ومن ولدك ومن الناس أجمعين.
هل تريد أن يكون لك والداك وتحرم عظيم الأجر من ربك، ولكن كن على ثقة بأن كل الذي تفعله إن أخلصت فيه لوجه الله فإن الله لا يحرمك الخير، ولا يحرمك الثواب والأجر، وهذه من بشائر الخير لولي الله المؤمن، ولذلك كما تجد هذا في الوالدين تجده في الولد، تحسن إلى أولادك فلا ترى إلا قلوبًا كافرة للمعروف، تحسن إلى الزوجة فتجد قلبًا منصرفًا ينكر المعروف ولا يعرف معروفًا، وتحسن إلى طلابك، وتحسن إلى تلامذتك، وتحسن إلى جيرانك وأقاربك، فتجد الصدود والإعراض، فيزيدك الأمر إخلاصًا لله عز وجل، وطلبًا لرحمة الله، ومحبة لله، وثقة بالله، وما ألذها من ساعات للمؤمنين والمؤمنات والمخلصين والمخلصات إذا تلذذوا بمعاملة الله ونسوا كل شيء سواه.
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب ماذا تريد من الناس؟ وماذا تريد من الجِنة والناس؟ لك ربك الذي لا تخفى عليه خافية، لك ربك الحليم الرحيم الكريم العدل الذي أقام السماوات والأرض بميزان قسط لا يخيب شعرة، ويقيمه يوم القيامة، فإن كان مثقال حبة من خردل أتى بها، وكفى به سبحانه حسيبًا رقيبًا، فاطمع في رحمة ربك وثق بالله، وكن قوي العزيمة.
وهذا ليس بخاص بهذا الأخ، بل هو منهج لكل مؤمن أنه إذا فعل الحسنة لا ينتظر من الناس جزاءً ولا شكورًا، هذا مقام المحسنين والصابرين، وهذا مقام الأقوياء، الذين قوي إيمانهم وصح معتقدهم، وسلمت عقيدتهم في ربهم، فأسلموا لله صدقًا وحقًا، لا ينتظرون من أحد جزاءً ولا شكورًا.
تجد علماء السلف ودواوين العلم؛ مثل الإمام البخاري رحمه الله برحمته الواسعة، فقد حفظ للأمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مئات الألوف من الأحاديث، وأصبح الناس يطعنون حتى في عقيدته، وتوفي رحمه الله برحمته الواسعة وهم يسبونه ويشتمونه، ويختلف فيه أهل سمرقند: هل يدخل أو لا يدخل؟ وذلك لخلل عندهم في عقيدتهم، ولكن أبى الله إلا أن يزكيه ويطهر سيرته، ويرفع قدره، ويحسن جزاءه، فأبقى للأمة مشكاة عظيمة اهتدى بها السائرون، وصلحت بها أحوال المؤمنين، وسيلقى عند الله جزاءها وثوابها.
لا تنتظر من الناس شيئًا، الزوجة تعمل في بيت زوجها لا تنتظر مدح زوجها ولا ثناءه، والزوج يخدم زوجته ويقوم على أهله وأولاده لا ينتظر إلا جزاء الحي القيوم الكريم سبحانه، والطالب مع شيخه، والشيخ مع طلابه، لا تنتظر إلا جزاءً من الله، خاصة في أمور العبادات.
هذا هو مقام المحسنين ومقام المخلصين: ألا تلتفت إلى شيء غير الله جل جلاله، وأن تطمع في رحمة الله، وأن تعلم أن الله إذا صرف عنك مدح المادحين، وثناء المثنين، تدخل على أبيك وأمك فتقدم مثاقيل الحسنات فتجابه بالسخرية والاستهزاء بأنك متدين أو صالح أو غير ذلك، ويدخل أخوك فلا يقدم إلا القليل الذي لا يذكر فإذا به يرفع إلى السماء، رفع في الدنيا ورفعت في الآخرة، وأعطي الدنيا وحرم الآخرة، وأعطيت الآخرة وحرمت الدنيا {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى:16 - 17] .
يا هذا! أخلص لله وكن مع الله ولله وفي الله، وأبشر بكل خير من الله، قال الحسن رحمه الله: لا يزال الرجل بخير إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله.
وهذا عام في جميع أمور الحياة، وهي وصية من يريد الإخلاص لوجه الله عز وجل، ومن أحس لذة الإخلاص، عرف أن الله له حكم في عباده، إذا أحب عبدًا من عباده صرف عنه الحرص على مدح الناس وكرهه إلى قلبه، وجعله لا يفكر في مدح المادحين، فهو لم يفكر في مدح المادحين فضلًا عن ذم من يذم، فتجده في مقام صدق عند رب العالمين.
نسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فالإخلاص هو سر الحياة، وصلاحها وسعادتها وفلاحها، وللمخلصين جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة، وسرور في الدنيا قبل سرور الآخرة، وهو السرور بالله وحده، فتأنس بالله عز وجل حينما تقدم للناس الخير، وتقدم للناس البر، ولا تجد منهم حامدًا ولا شاكرًا؛ لأن الله عز وجل يريد أن يدخر لك ذلك كله، فهذه نعمة من الله عليك، فاستبشر بفضل الله، وأحسن الظن بالله، ثبت الله قلبك وسدد قولك وعملك، والله تعالى أعلم.