وقوله: (من مرضه غير مخوف كوجع ضرس) .
أي: أن يكون المرض من جنس الأمراض التي لا يخاف منها على الإنسان أن يموت بسببها، فوجع الضرس لا يؤدي إلى الموت غالبًا.
وقوله: (وعين) .
إذا آلمته العين مثل: التهابات الأعين، فإنها لا تؤدي إلى الموت، لكن ثبت في بعض الأحيان أنه قد يكون المرض مستحكمًا في الجسم وله أعراض ودلائل في مواضع أخر، فقد يكون الألم في جهة ومع الإنسان مرض قاتل، فيظن أن هذا من المرض اليسير، وهذا هو السبب الذي جعلنا نقول: نرجع إلى الأطباء وأهل الخبرة، فهم الذين يقررون أن هذا المرض مخوف أم لا.
ووجع العين في الغالب أنه لا يؤدي إلى الموت.
وقوله: (وصداع يسير) .
أما الصداع المستحكم ففي بعض الأحيان -أعاذنا الله وإياكم- قد يكون دليلًا على أمراض خبيثة، وقد يكون دليلًا على أمراض أخرى تؤدي إلى الموت، وقد يكون دليلًا على التسمم، وهذه أحوال مستثناة لا نريد أن ندخل في التفصيل؛ لأن الدخول في التفصيل يدخل الوسوسة على الناس، فبعض الأحيان إذا ذكرت بعض الأمور بعض الأعراض يصبح الشخص شاكًا حتى في كل شيء، ولكن على الشخص أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل لطيف بعباده، لكن بالنسبة للأمراض وتحديدها فهو معروف عند الأطباء، فربما يكون المرض قاتلًا وعلامته في مكانٍ آخر، فقد يكون في الباطن ويأتيه صداع، لكن هذا كله يتوقف على قول الأطباء، وإلى الله المشتكى.
وعلى العموم: الإنسان طبيب نفسه، والعادة جرت: أن الصداع يأتي من أشياء تافهة، مثل ضرب الهواء، وقد يأتي بسبب الجوع، وقد يأتي بسبب الإرهاق والتعب، فالأمر يسير، فليس كل صداع يفضي إلى الموت، لكن أيًا ما كان قال المصنف رحمه الله: (وصداعٌ يسير) ؛ لأن الغالب أن الصداع اليسير لا يكون مهلكًا، أما إذا كان قويًا مستفحلًا وعرف فيما بعد أنه مرض خبيث، أو أنه تسمم وأقعده حتى توفي، فحينئذٍ يكون في حكم المريض مرض الموت.
وتوضيح المسألة: لو أنه آلمه ضرسه، فتصدق بمائة ألف ريال في مشروع الخير، وشاء الله عز وجل بعد ساعتين أن توفي، والثابت أنه تصدق بالمائة الألف التي يملكها كلها ومعه وجع الضرس، فإن قلت: وجع الضرس مرضٌ مخوف؛ فحينئذٍ لا ينفذ إلا في حدود ثلث المائة الألف، وأما الباقي فيوقف على إجازة الورثة.
أما إذا قلت: إن وجع الضرس ليس بمخوف، وهذا هو المعتبر والمعمول به؛ فحينئذٍ تنفذ المائة الألف ولا حق للورثة فيها، ويكون قد مات قضاءً وقدرًا، والمائة الألف جاءت هبةً من رجلٍ صحيح سليم العقل تصح عطيته ونفذت على وجه برٍ وخير، فحينئذٍ تمضي صدقته ولا يعترض عليها، وإن آلمته إحدى عينيه -مثلًا- وتصدق بما ذكرناه، ثم توفي بعد هذا الألم، ولم يقل الأطباء: إن هذا الألم متصل بعارض آخر أو بمرض آخر، فحينئذٍ نقول: وجع العينين ليس بمرض مخوف، وعطيته عطية صحيحٍ نافذةٌ في جميع المادة.
وقوله: [فتصرفه لازم كالصحيح] .
بمعنى: لو باع سيارته ومعه هذا المرض غير المخوف، أو وهب أو أجّر؛ فتصرفه لازم وصحيحٌ معتبر، فإذا تم القبض للهبة تمت الهبة ولزمته، وحينئذٍ لا يملك الورثة أن يعترضوا على هذا التصرف بإبطاله، وقوله: (كالصحيح) ، أي: أن حكمه حكم الصحيح، فهذه الأمراض والآلام لا توجب هلاكًا ولا توجب تلفًا غالبًا؛ فحينئذٍ يكون تصرفه في حال ما ذُكِر تصرفًا صحيحًا معتبرًا شرعًا؛ لأنه ليس هناك مانع من صحة العقد، والأصل هو اللزوم إذا وقع مستوفيًا للشروط، وقد باع ووهب وأوقف ورهن وتصرف بتصرفات في حال اكتمال رشده، فنعمل عقده ولا نهمله ولا نبطله؛ لأنه لا موجب للإنكال والإبطال، والمرض ليس بمرض مؤثر، فلا يوجب بطلان هبته وتصرفاته.