فهرس الكتاب

الصفحة 5672 من 7030

السؤالقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34] ، وقوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8] ، كيف نشكر نعم الله علينا ونحن لا نستطيع حصرها، وكيف نعد جواب سؤال هذه النعم؟

الجوابظاهر أن هناك تعارض بين الآيتين، فالله أمر بشكر النعم ولا يمكن للإنسان أن يحصي النعم، فكيف يكون شاكرًا؟ والجواب: إن تكاليف الشرع مبنية على القدرة، والله عز وجل كلف الإنسان بما في وسعه وقدرته، وما ليس في وسعه وقدرته فليس بمكلف به، ولذلك يحمد الله ويشكره على ما ظهر وما بطن من النعم، وما سبق وما لحق من النعم، وله سبحانه الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وسرًا وجهارًا، وهو المحمود على كل حال، المشكور على النعم سبحانه وتعالى، وله أن يشكر شكرًا عامًا، الذي هو: (اللهم أني أحمدك وأشكرك على نعمتك) فهذا كرم من الله عز وجل، قبل القليل وأعطى الكثير، إذا قال:"اللهم أني أحمدك على نعمك"، ولو قال:"أحمدك على جميع نعمك"، ما بقيت نعمة إلا ودخلت في هذا الحمد، خفيفة على اللسان لكنها ثقيلة في الميزان، وقد تنوء بها الملائكة من كثرتها، وقال صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي قال: (حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه) قال: (والذي نفسي بيده، لقد رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يصعد إلى السماء) وهذا يدل على فضل الحمد والشكر، وهناك شكر خاص على النعم الخاصة، فإذا تجددت النعم تجدد الشكر، فإذا خرج من بيته، فسلمه الله من آفة في جسده، أو آفة في أهله وماله وولده، لهج لسانه بذكر الله عز وجل، ووالله إن الإنسان ليحار، كم تجد من النعم المرسلة والمقيدة، والظاهرة والباطنة، ومع ذلك الإنسان في غفلة عظيمة عن هذا، ولو أنه نظر فقط إلى طرفة هذه العين التي يحركها، طرفة العين تبعد عنه من البلاء، وقال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى:19] ، وما قال:"إني لطيف بعبادي"، قال: (الله) بلفظ الجلالة، وجاء بالاسم الظاهر (الله) لأنه وحده الذي له هذه النعمة، وهذا من كرمه سبحانه وتعالى، وقلما تجد شخصًا إذا دخل البيت تذكر نعمة الله عز وجل، حينما يجد سربه أمنًا وأهله وجدهم ولم يفقدهم، فكم من خارج من البيت كان آخر عهده بأهله وولده، فما رآهم بعد ذلك، ماتوا وهلكوا، وكم من إنسان يأتي ويدخل إلى بيته، ويرى من النعم التي حفظ الله بها أهله، كالكهرباء لو حصل أي اختلال لأهلكته ودمرته وحصل منها من البلاء ما الله بها عليم، وينام تحتها وينال خيرها ويحفظ من شرها، فسبحان الله العظيم، والإنسان يركب الطائرة، وهم ممكن في أقل من طرفة عين يدمرون ولا يبقى منهم أحد، فحملهم في البر والبحر، وحملهم في السماء والأرض، برحمة منه، ولطف منه، وإحسان منه، ويمرون في المخاطر الشديدة والأهوال الأكيدة، فمن الذي كان يحلم أنه يطوف في السماء؟ وليس الواحد ولا الاثنين، ولكن أمة من الناس، ولا تحمل فقط، ولكن تأكل وتشرب وتنام، ومع هذا كله، إذا أصابها الحر بردت، فهي في البَّراد، وإن كان في شدة البرد فهي في الدفء والراحة، ولذلك لو حوسب الخلق على هذه النعمة لهلكوا، فمن منا الآن إذا نزل في المطار وقد انتهى من الرحلة شكر الله حق شكره؟ ومن منا قبل أن يخرج رجله من هذه الطائرة تذكر أين كان، ومن الذي كلأه بعنايته ورحمته سبحانه وتعالى? تصور لو أن إنسانًا تعرض للخطر في طريقه في البر وليس في السماء، وجاء شخص وقف عليه فقط دقيقة أو دقيقتين، لعد أن حياته كأنها دين لهذا الشخص، ولله المثل الأعلى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11] ، أي: بسبب أمر الله، أو يحفظونه من الأمر الذي قدره الله، فتبارك الله وجل الله.

ومن عرف الله يعرف نعمته؛ لأن طريق المعرفة بالله أن تعرف نعمته سبحانه وتعالى، ولذلك كان أكمل الخلق معرفة بنعم الله هم أنبياء الله ورسله، وكانوا أشد الناس وأعظمهم شكرًا لله، حتى أن الواحد منهم إذا رأى النعمة بين يديه كان أول ما يلهج به الثناء على الله عز وجل، فلا يزهو ولا يختال، ولا يتجبر ولا يتكبر، وإنما ينكسر لربه غاية الانكسار، ويسند الفضل كل الفضل لله وحده لا شريك له، سليمان عليه السلام في وسط البحار -وأين العلم وأين التقدم الحديث؟ - انظر إلى الذي قال له: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي} [النمل:40] ، انظر إلى قوله: (مِنْ فَضْلِ رَبِّي) ، فما استوجب على الله فضل، فالفضل هو الزيادة كما في لغة العرب (من فضل ربي) .

يعني: أعطاني الله عز وجل فضلًا منه وتكرمًا، فأنا مربوب لله عز وجل، فمن أنا لولاه؟! ثم قال: (ليبلوني) من أجل أن يبلوني ويختبرني، فعرف الهدف من النعم، وهو ابتلاء العباد بشكرها، فإذا امتلأت القلوب بذكر ربها ولهجت الألسن بالثناء على خالقها سعد العبد، فأصبح يمسي ويصبح وهو ينظر في نعم الله التي يتقلب فيها، فهو من شكر إلى شكر، ومن حمد إلى حمد، ويعتقد في قرارة قلبه أن الفضل كل الفضل لله، حتى إذا لهج لسانه بالشكر والثناء على الله اعتقد من قرارة قلبه، أن الله تفضل عليه بشكره سبحانه وتعالى، وهناك ينال العبد المراتب العلى، فلا يزال لسانه شاكرًا حتى يكتبه الله من الشاكرين، ويجعله في ديوان الذاكرين، ثم يتأذن له بالرحمات والباقيات الصالحات، ويجعل له أول بشارة على شكر الله جل جلاله فيضع له البركة في رزقه، فالشيء الذي تشكر الله عليه ترى بركته وترى خيره، ولذلك تجد كبار السن في القديم الشخص منهم يضع الكسرة من الخبز، فيقول: يا رب! لك الحمد والشكر، تجد الواحد منهم يشرب الشربة القليلة بكف ماء من نهر مليء بالطين، ويقول: يا رب! لك الحمد والشكر، ومع ذلك تجد البركة فيها، وهذا الطين الذي يحمل البكتريا اليوم، وتجد فيه من الوسوسة، حتى أن الواحد يخاف أن تكون بجوار البيت، فكيف بهؤلاء وهم يضعونه بداخل أجوافهم؟ ومع هذا كانوا أصح الناس أبدانًا وأصلحهم حالًا بالشكر لله جل جلاله، وترى العبد اليوم شبعان تغدق عليه النعم، حتى إنه يجلس على المائدة، ونظر إلى أصناف الطعام التي فيها، جاءته من مشارق الأرض ومغاربها بما لا يحصيه إلا الله وحده، ولا ندري هل ذكر الله أم لا؟ ثم يقوم فيتسخط من هذا الطعام ويعد مثالب هذا الطعام أو يلمز هذا الطعام، وكل ذلك كفر بنعم الله، ونسيان لفضله.

اللهم لا تجعلنا من الغافلين، ولا تسلك فينا سبيل المجرمين، اللهم اجعلنا من الشاكرين، إنك ولي ذلك وأنت أرحم الراحمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت