هذا في مسألة قدر الدين، وأن يكون المديون مقرًا بأصل الدين، ولكن الخلاف فيما هو زائد، أما لو نفى كونه رهنًا، وقال: إنما أعطيته عارية، ولم أعطه رهنًا، وليس له عليَّ شيء، فحينئذٍ أنكر الدين أصلًا.
فإذا أنكر الدين، وقال له صاحب الدين: بل أعطيتني هذا الشيء رهنًا، وأنت مدينٌ لي، فبعض العلماء يقول: إن الرهن وصفٌ زائدٌ على العارية، فيُطالَب من يدَّعِي الرهن ويدّعِي كونها محبوسة بالدليل؛ لأن الأصل ملكية الشخص لهذا الشيء، فإذا ادعاه رهنًا، فمعناه: أنه يريد أن ينقل عنه الملكية في المآل.
فنقول لمن يدعي أن هذا الشيء رهن: أثبت أنه استدان منك، وعليه فهناك عدة مسائل: فتارةً ينفي الدين، فإذا نفى الدين فيُطالب صاحب الدين بإثبات كونه مديونًا؛ لأنه يمكن في بعض الأحيان أن يأتي شخص ويأخذ منك السيارة عارية، ويقول: سأذهب بها إلى قضاء حاجة وآتي، ثم بعد أن يعود تأتي فتقول له: أعطني سيارتي، فيقول: لا، هذه رهنٌ بعشرة آلاف لي عليك.
إذًا: الأصل عدم وجود الدين، والأصل عدم شغل ذمته بالدين، فليس كل شخص أخذ متاع أحدٍ، أو احتبس متاع أحدٍ، أو كان واضعًا يده على متاع أحدٍ يُقبَل منه ادعاء الرّهن، فإذا أنكر الدين بالكلية فالقول قول المنكِر، الذي هو صاحب السلعة، ومالكها، ويُطَالب من يدّعي كونها رهنًا بالدليل، على نفس الأصل الذي قررناه؛ لأنه لو فُتح هذا -كما ذكرنا- لادعى أناس أموال أناس، فقد يأتيك شخص ويقول لك: أعطني سيارتك لأذهب بها إلى حاجة، ثم يقبضها ويذهب ويمتنع من إعطائها لك، ويقول: أعطيتنيها رهنًا بعشرة آلاف أو ما إلى ذلك.
فحينئذٍ لن تستطيع أن تأخذ سيارتك؛ بل إنه يدَّعِي عليك شغل الذمة، فلو فُتِح هذا الباب لتسلّط الناس على أموال بعضهم، فالشريعة تقول في هذه الحالة: الأصل أنك غير مديون؛ لأن القاعدة: أن الأصل براءة الذمة، وهذه قاعدة منتزعة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أقوامٌ أموال قومٍ ودماءهم) ، فلو كل شخص يدَّعِي لذهبت أموال الناس وذهبت أعراضهم، وذهبت كذلك دماؤهم.
إذًا: لا نقبل ادعاءه بكونه مديونًا، هذا أولًا، وثانيًا: إذا أقر أنه مديون واختلفا في قدر الدين، فإننا نرجع إلى قول المديون، ونقول: اليقين القدر الذي ذكره والزائد يحتاج إلى دليل.
ويقبل قول الراهن في قدر الدين قليلًا كان أو كثيرًا.