بناءً على ما سبق عندنا الأحوال التالية: الحالة الأولى: إذا بدا الصلاح بسرًا فاحمَّرت الثمرة، أو اصفرت.
الحالية الثانية: أن ترطب، فيكون النضج في نصفها، أو في ربعها، أو في أكثرها.
الحالة الثالثة: أن يتم استواؤها ويكتمل، فتتهيأ للصرام والقطع.
هذه ثلاثة أحوال بعد بدو الصلاح ينتبه لها.
الحالة الأولى: أن تكون بلحًا، وبسرًا.
الحالة الثانية: أن تكون رطبًا.
الحالة الثالثة: أن تكون تمرًا.
فإن بيعت النخلة في هذه الثلاث الأحوال، إما أن تباع عند نهاية الاستواء، فإذا بيعت بعد اكتمال استوائها واكتمال نضجها، فبالإجماع يصح البيع ويقطعها فورًا، كرجل عنده مائة نخلة سكرية، وتركها وحفظها حتى صارت تمرًا، ثم جاءه رجل وقال: أشتري منك هذه المائة نخلة بمائة ألف، فقال: خذها.
فإنه يتم البيع بالإجماع ويصح.
الحالة الثانية: أن تباع قبل أن تثمر، وقبل أن يكتمل استواؤها، فجماهير أهل العلم على جواز البيع وصحته، وخالف في هذه المسألة.
رجلان عالمان، وكلاهما من التابعين، أولهما: عكرمة بن عبد الله، صاحب ابن عباس رضي الله عنهما، والثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، الفقيه المشهور، فقالا: لا يجوز البيع، فلم يصححا بيع ثمرة النخيل قبل الاستواء الكامل، ولكن الصحيح مذهب الجماهير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النهي توقف عند بدو الصلاح فدل على أنه بعد بدو الصلاح يحل البيع، وهذا على القاعدة الأصولية المشهورة أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها في الحكم، فلما قال: حتى يبدو صلاحها، فالغاية بدو الصلاح، فمعناه أن الحكم بعد بدو الصلاح يخالف الحكم قبل بدو الصلاح، وقبل بدو الصلاح قال: (نهى) ، فمعناه أنه بعد بدو الصلاح، يجوز ولا بأس به.
وإذا قلنا بقول الجمهور: إنَّه يجوز بيعها قبل أن تثمر، فهم على طائفتين: فالمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، رحمة الله تعالى على الجميع، على أنك إذا اشتريت ثمرة بعد بدو صلاحها يجوز لك أن تبقيها، ولا يجب عليك القطع.
وقال الحنفية: يصح بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، ونلزم المشتري بقطعها فورًا، فإن بيعت بُسرًا وجب عليه أن يقطعها بسرًا، وإن بيعت رطبًا يجب عليه أن يقطعها حال كونها رطبًا.
والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط في حل ما كان بعد الغاية مفهوم القطع.
وعلى هذا يكون الحكم أنه يجوز بيعها بعد بدو صلاحها بيعًا مطلقًا، وبيعًا بشرط التبقية، وبشرط القطع، لا بأس بذلك كله، على ظاهر السنة.