قال المصنف رحمه الله: [ويصح من زوج مكلفٍ، ومميز يعقله] قوله: (مكلف) يكون بالبلوغ والعقل، فالصبي غير مكلف، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: الصبي، والمجنون كذلك، فقد أجمع العلماء على أن المجنون لا يصح طلاقه إذا وقع طلاقه حال الجنون، يَستوي في ذلك أن يكون جنونه متقطعًا أو مستديمًا؛ فإن كان جنونه مستديمًا فلا إشكال، وإن كان متقطعًا، وثبت أنه طلق في حال وجود الجنون فالجماهير على عدم وقوعه، وخالف بعض أئمة الحنفية فقالوا: يقع لاشتباه أن يكون أفاق عند الطلاق، وقالوا: إنه إذا كان يجن تارة ويفيق تارة وخاطب المرأة، فإن معنى ذلك أنه عَقَل أنها امرأته وزوجته، قالوا: فينفُذُ الطلاق لهذا، والصحيح ما ذكرناه، والإجماع على أن الأصل في المجنون أنه لا ينفُذُ طلاقه.
وأما بالنسبة للصبي، فالصبي ينقسم إلى قسمين: صبيٌ غير مميز وصبيٌ مميز، والصبي مأخوذٌ من الصِّبا، والصبا ضدّ البلوغ والحلم والرجولة، فكمال الرجولة بالحلم والبلوغ.
والصبا له حالتان، الحالة الأولى: أن يكون مع التمييز، والحالة الثانية: يكون بدون تمييز، واختلف العلماء في ضابط المميِّز وغير المميِّز، فبعضهم يقول: الصبي المميِّز يُحَد بالسنوات، وحَدُّوه في مسألة الطلاق -كما هو قول عطاء، وطائفة من السلف ورواية عن الإمام أحمد - بعشر سنين، وهناك أيضًا قولٌ لبعض السلف أنه اثنتا عشرة سنة، وقولٌ بتسع سنين، هذه ضوابط المميز في الطلاق، وهناك تمييز في الصلاة الذي هو سبع سنوات، وهذا له حكم خاص، وبناءً على ذلك يُنتبه إلى أن كلامهم في الذي لم يبلغ، يعني لم يحتلم ولم يُنزِل المني، أما لو بلغ وأنزل واحتلم فهو رجل، لا يُقال: صَبي.
فإذا كان في طور الصبا قبل أن يحتلم ويُمني، وقبل أن يصير رجلًا مكتمل الرجولة؛ فإنه إن كان دون سن التمييز فبالإجماع أنه لا يقع طلاقه.
صورة المسألة: رجلٌ عنده ولد عمره ست سنوات وآخر عنده بنت عمرها خمس سنوات، فقال: يا فلان! زوِّج بنتك لابني، فاتفقا على تزويج البنت من الابن وتم العقد، فهذا زوجٌ لهذه الزوجة، فقال هذا الصبي: زوجتي طالق فلانة طالق أغضَبَته فطلقها، فما الحكم؟ إذا أغضبته فطلقها، فطلاقه وعدمه على حدٍ سواء؛ لأنه دون سن التمييز، لكن إذا بلغ اثنتي عشرة سنة وميَّز الأمور؛ فللعلماء فيه وجهان: جمهور السلف والأئمة والعلماء على أنه لا يقع طلاقه حتى يبلغ، وقال بعض السلف ك عطاء، وأيضًا رواية عن أحمد رحمةُ الله عليه وقول بعض أصحاب الحديث أنه ينفُذ طلاقه، والصحيح أنه لا ينفذ طلاقه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة) ؛ فبيَّن أنه غير مُؤاخذ، وبناءً عليه فإن نقصان العقل فيه يجعله لا يدرك ما يقول؛ ولذلك قال الله في السكران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] ، والصبي لا يعلم عواقب الطلاق كما ينبغي، ولا يعلم عواقب الكلمة كما ينبغي، ولو كان مُمَيِّزًا فإنه ليس عنده عقل يحجُره ويمنعه عن قول ما فيه ضررٌ عليه، وإذا كان الصبي منعه الله من التصرُّف في ماله خشية الضرر؛ فإنه إذا طلَّق فوَّت مالَه وهو المهر، وهذا يُقَوِّي أنه لا ينفذ طلاقه.
فقول الجماهير بأن طلاق الصبي لا ينفذ هو الأصح والأشبه والأقوى إن شاء الله تعالى.
إذًا: لا يصح الطلاق إلا من زوج، فلا يصح من أجنبي، فلو أنه -مثلًا- طلَّق المرأة وخرجت من عِدَّتها فطلقها، فإنها إذا خرجت من عِدَّتِها أجنبية ولا ينفذ طلاقه.
ولا بد أن يكون هذا الزوج مكلفًا، وهو الشرط الثاني، والتكليف: البلوغ والعقل، فلو طلق الصبي لم ينفذ طلاقه، مميِّزًا كان أو غير مميز، ولو طلَّق المجنون لم ينفذ طلاقه، سواءً كان جنونه متقطعًا أو مُطبِقًا بشرط أن يكون الطلاق حال الجنون.