قال رحمه الله: [وإن كان غائبًا في البلد حجر عليه في المبيع، وبقية ماله حتى يحضره] هذه المسألة كثيرًا ما تقع في حال ما إذا أعطاه مثلًا مليون ريال.
لو فرضنا أنه باعه بمائة ألف ريال، فقال له: بعتك سيارة من نوع كذا وكذا بمائة ألف، أو سيارتي هذه بمائة ألف، فقال: قبلت، فهذا الثمن في الذمة، فإذا أعطاه إياه، فأخذ البائع المائة ألف، ثم بعد ذلك اختلفا، هل هذه هي السيارة التي تعاقدا عليها أو غيرها، وحكمنا بالفسخ بين الطرفين، يصبح الثمن في هذه الحالة موصوفًا في الذمة، فيحتاج البائع الذي باع السيارة إلى أن يحضر الثمن من خارج البلد؛ لأن الثمن ليس موجودًا عنده حتى يتم فسخ البيع بصورته الكاملة، فيحتاج أن يسافر، ونحن لا نضمن أنه سيعود، أو لربما يحجر عليه أثناء السفر أو يأتيه عارض، أو يسرق منه المال، فإنه يحجر عليه أولًا في المبيع، فلا يتصرف فيه؛ لأنه هو المالك الحقيقي؛ فلا يتصرف في المبيع.
فيحجر عليه في المبيع ويحجر عليه في أمواله، والسبب في هذا ما ذكرناه: أنه يخشى أن يدخل عليه الحكم بالفلس، والحجر بالفلس سيتضرر به صاحب الحق لتأخر حقه عنه، فهذا وجه ما نص عليه العلماء رحمهم الله من مسألة الحجر؛ ليتبين أنه ليس من باب الظلم، إنما من باب رد الحقوق لأهلها، فإن هذا الرجل لو سافر ربما غاب عنك غيبة طويلة، وهذا يضر بك، فنقول: كما أضر بك في حقوقك فجزاؤه أن يتضرر فيحجر عليه في ماله.
والتلاعب قد يوجد بين التجار، فحينما تحجر عليه في جميع ماله، فإنه في اليوم الثاني سيضع المال عند القاضي، وقد حدث في بعض القضايا أنه امتنع رجل غني ثري من إعطاء عامل حقه، وجلس عنده ثلاث سنوات يكدح بعرق جبينه حتى أصبح ماله ثلاثين ألفًا، فادعى أنه مفلس، فأصبح يشتغل بثمانمائة ريال كذبًا من باب الغش، ورفعت القضية إلى أحد القضاة الموفقين وهو الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله عليه، وتبين له الأمر جليًا، وأن الرجل كذاب ومخادع.
وكان هذا الرجل الضعيف العامل الذي تضرر ليس عنده بينة ولا شهود، فقال له القاضي: إن شئت أن تحلف اليمين فإني أقبلها منك، ولكن ليس لك في ذلك خير، قال: أحلف اليمين، قال: إذًا: لا تحلف اليمين، وكتب إلى المسئول: أن هذا الرجل كذاب مماطل، وثبت عندي بالتحري أنه كذاب مماطل، والذي أرى أن يحجر عليه في جميع ماله، حتى يؤدي لهذا الرجل حقه، فقد عمل عنده ثلاث سنوات وهو غريب عن أهله، وهو الآن في أشد ما يكون من العناء.
وذكر الشيخ عنه أنه كان يغمس كسرة الخبز اليابسة في (الشاهي) حتى لا ينفق من ماله الذي يكتنزه عند الرجل مؤتمنًا عليه.
فشاء الله أنه حجر عليه في يوم الأربعاء، ثم كتب إلى المسئول أن هذا الرجل يمنع حتى من زيارة الغير له، فكما آذى الناس يؤذى، فما جاء يوم السبت إلا والثلاثون ألفًا موضوعة على طاولة الشيخ كاملة، فمثل هذه الأمور لابد من الحجر فيها، والقضاء ما نصب إلا من أجل الفصل بين الناس.
فحينما ينص الفقهاء رحمهم الله على الحجر فهو مما رأوا من خلال تجاربهم في القضاء والفتاوى، فهذه المتون خرجت من تجربة وخرجت من معاناة؛ لأنه ممكن أن يأتي شخص ويتعامل معك في قطعة أرض يبيعها لك بمليونين، ثم بعد أن يستلم منك المبلغ، يقول: ما بعتك هذه الأرض وإنما بعتك أرضًا أخرى، فتختصما إلى القاضي، فيقوم القاضي بطلب كل منكما أن يدفع، فيماطلك ويؤخرك ويستفيد منها شهورًا وربما دهورًا ثم يدفعها لك بعد ذلك، فأنت تستضر بهذا، لكن حينما يحجر عليه في ماله، ويحجر عليه في مبيعه، كما أضر بغيره أو أراد الإضرار بغيره، فإنه يسلم الحق ويندفع الضرر عن غيره.
ولذلك لم يكن نص العلماء على الحجر من فراغ، وإنما نصوا عليه لوجود الاستحقاق، وهو استحقاق الأذى بالتضرر بالتأخر، وعلى هذا يشرع أن يحجر عليه كما يحجر على غيره.
والحجر في اللغة: المنع، يقال: حجر عليه إذا منعه، ومنه قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:22] حينما كانوا يجعلون بينهم وبين القرآن مانعًا من أن يستجيبوا له، وكذلك قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53] أي: حائلًا يحول بينهما، ويمنع من دخول أحدهما على الآخر، فالمقصود أن الحجر المنع.
وأما في الاصطلاح: فهو منع نفوذ تصرف قولي لا فعلي في المال، وبعض العلماء يعرفه بتعريف أدق، ويقول: الحجر في الاصطلاح: المنع من التصرفات المالية، وهذا أنسب.
قال رحمه الله: [وإن كان غائبًا بعيدًا عنها، والمشتري معسر، فللبائع الفسخ] : هذه كما ذكرنا يقال له: لك الفسخ، أي: أنت بالخيار إن شئت انتظرت وإن شئت فسخت البيع، فإن قال: أريد الفسخ، فحينئذٍ يفسخ، وإن قال: أنتظره فذلك به.
فوجه إدخال هذه المسألة في باب الخيار، أنه يترك له الخيار إن شاء أن يمضي الصفقة وإن شاء ألغاها، والأمر إليه.