قال رحمه الله: [والترتيب] .
يقال: رتَّبَ الأشياء إذا جعل كل شيء منها في موضعه وجعلها تِلْو بعضها.
والترتيب: أن يوقع الغَسل والمسح على الترتيب الذي جاءت به آية المائدة، فيبدأ بغسل وجهه، ثم غسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه، فلو قدَّم مسح الرأس على غسل الوجه لم يُجزئه، ولو قدَّم غسل الرجلين على مسح الرأس لم يجزئه، وهكذا.
وهذا الترتيب دل عليه دليل الكتاب، فإن الله عز وجل أمر بغسل الوجه، ثم أتبع الوجه باليدين، ثم أتبعهما بمسح الرأس، ثم أتبع الجميع بغسل الرجلين، والواو هنا يُفهم منها الترتيب لقرينه، فإن الواو في لغة العرب لا تقتضي الترتيب إلا عند وجود القرائن، فإذا قلت -مثلًا-: جاء محمد وعلي، فلا يستلزم ذلك أن يكون محمد جاء أولًا ثم مِن بعده علي، إذ يجوز أن تقول: جاء محمد وعلي، مع أن عليًا هو الذي جاء أولًا، ويجوز أن تقول: جاء محمد وعلي، وقد جاءا مع بعضهما لا يسبق أحدهما الآخر.
إذًا: الواو في قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة:6] ، وقوله بعد ذلك: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة:6] (الواو) في هذه الأربع لا تفيد الترتيب نصًا؛ لكن فُهِم الترتيب من سياقها، وذلك أنه لا معنى لإدخال الممسوح بين المغسولَين إلا إرادة الترتيب، فإن الله عز وجل أدخل الرأس وهو ممسوح بين مغسولَين وهما: اليدان والرجلان، فلو كان الترتيب ليس بلازم لذكر المغسولات أولًا ثم أتبع بالممسوح، أو ذكر الممسوح أولًا ثم أتبع بالمغسولات، فلا وجه لإدخال المسح بين الغَسلَين على هذه الصورة، إلا إرادة الإيقاع على الطريقة أو على الصورة التي وردت في الكتاب.
ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) أي: على الصفة التي وردت في كتاب الله جل وعلا.
ثالثًا: أنه لم يُحفَظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فقدَّم عضوًا على عضو مخالفًا للترتيب.
لكن هنا إشكال في الحديث الذي ورد مِن كونه عليه الصلاة والسلام تمضمض بعد أن غسل وجهه، فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟ جوابنا: أن الترتيب في أعضاء الوضوء يقع على الصورة التالية: أولًا: الترتيب بين مفروض ومفروض.
ثانيًا: الترتيب بين مسنون ومسنون.
ثالثًا: الترتيب بين مفروض ومسنون.
فأما الترتيب بين مفروض ومفروض: فكَغَسل اليدين بعد غَسل الوجه.
وأما الترتيب بين مسنون ومسنون: فكالترتيب بين المضمضة والاستنشاق، بأن يوقع المضمضة أولًا ثم يستنشق بعدها.
وأما الترتيب بين مفروض ومسنون: فكالمضمضة مع غَسل الوجه، فيبدأ بالمضمضة أولًا ثم الاستنشاق، ثم يغسل وجهه.
والذي ورد في الحديث من كونه غَسَل وجهه ثم مضمض؛ إنما هو بين مسنون ومفروض، ومحل الكلام فيما بين المفروضات.
وبناءً على ذلك: يكون هذا الحديث خارجًا عن موضع الكلام الذي نتكلمه، وهذا أمر يُغْفِله بعضُ طلاب العلم؛ فيحتج بهذا الحديث على إلغاء الترتيب، وليس في الحديث دلالة؛ وإنما يستقيم الاستدلال بالحديث فيما لو غَسل عليه الصلاة والسلام يديه قبل وجهه، أو -مثلًا- قدَّم مسح رأسه على غسل اليدين، أما أن يخالف في الترتيب بين السنن فأمر السنن واسع ليس كالفرائض.
تنبيه: هذا الترتيب إنما هو في الفرائض، بأن يكون الترتيب بين فرض وفرض آخر، أما الفرض بذاته فالترتيب فيه ليس بلازم، وذلك في الأعضاء الثنائية كاليدين والرِّجْلين، فيجوز لك أن تغسل اليمنى قبل اليسرى، وأن تغسل اليسرى قبل اليمنى، ولا يشترط الترتيب بين اليمنى واليسرى، فلو غسل يده اليسرى قبل اليمنى لصحَّ؛ لأن الله عز وجل أمر بغسل اليدين مطلقًا، وهذا قد غسل يديه، وفِعْل النبي صلى الله عليه وسلم هو على سبيل الكمال؛ لقول عائشة: (يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله) .
وبناءً على ذلك: لا يجب الترتيب بين المسنونات.