قال رحمه الله: [ومن حبست ولو ظلمًا] : أي: إذا كانت الزوجة محبوسة عن زوجها، فلم يستطع أن يطأها لأنها في السجن أو محبوسة في دار، فبعض العلماء يقول: المحبوسة إذا منعت عن زوجها سقط حقها في النفقة مطلقًا، سواء كانت محبوسة بظلم أو كانت محبوسة بحق.
فتحبس بحق مثل ما لو وقع منها أمر وعزرت من القاضي فأمر بسجنها، فهذا سجن بحق تعزيرًا من القاضي، وهذا حكم شرعي، فسجنت -مثلًا- شهرًا، في هذه الحالة لا يستطيع الزوج الوصول إليها، ولا تستطيع أن تقوم بحقه؛ لأنها محبوسة عنه، وهو ممنوع منها، فهل يسقط حقها؟ للعلماء وجهان: من العلماء من يقول: كل امرأة منعت عن زوجها وحبست ولو ظلمًا، سقط حقها في النفقة.
ومنهم من يقول: إن كان الحبس ظلمًا لم يسقط حقها؛ لأنه سبب خارج عن إرادتهاز مثلا: والدها أخذها ومنعها من زوجها وحبسها أن ترجع إلى بيت الزوجية، فحبست ومنعت ظلمًا وهي ترغب في زوجها وتريد زوجها، أو أصلح ذات بينهما فمنعها وليها أبوها أو أخوها أو قريبها، فحال بينها وبين بيت الزوجية، لكنها هي تريد بيت الزوجية، وترغب في بيت الزوجية، ففي هذه الحالة هي محبوسة ظلمًا، وفي الحالة الأولى محبوسة بحق، فسواء حبست بظلم أو بحق يقولون: سقط حقها في النفقة، وهذا هو الذي درج عليه المصنف، ولذلك أشار رحمه الله بقوله: (ومن حبست ولو ظلمًا) .
وقد قلنا: إذا قال المصنف: (ولو) فهو إشارة إلى خلاف مذهبي، أي: أن هناك قولًا يقول: إذا حبست الزوجة عن زوجها ظلمًا لم يسقط حقها في النفقة، قالوا: لأنها مستعدة للقيام بالحقوق ولكن حيل بينها وبين هذا لعذر، كما لو كانت حائضًا فلم يستطع زوجها أن يجامعها فهذا عذر، وكما لو مرضت ولم تستطع أن تقوم بحقوق بيت الزوجية فهذا عذر، قالوا: كذلك لو منعت ظلمًا فالعذر بالظلم كالعذر القاهر، فلا يسقط حقها في هذه الحالة.
وفي الحقيقية هذا القول له قوة، أي الذي يقول: إنها لو حبست ظلمًا وعندها الرغبة الحرص على أن تأتي زوجها فلها النفقة، لكن المصنف رحمه الله اختار القول الذي يقول: إنها إذا منعت الزوجة سقطت نفقتها، وهو أيضًا قوي من وجه آخر، وهو أن الزوج له الحق بغض النظر عن كون الذي لم يقم بحقه معذورًا أو غير معذور، فالنفقة لقاء القيام بحقوق الزوجية، قال تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فجعل الحق مقابل الحق،: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228] فإذا لم تقم بحقه لم ننظر إلى كونها معذورة أو غير معذورة، هذا ليس لنا به علاقة لأنه من باب الأسباب، أعني أن الشريعة تنظر إلى وجوب القيام بالحق، فإذا لم تقم بحق زوجها سواء كانت معذورة أو غير معذورة؛ سقط حقها في النفقة، فيبن رحمه الله أنها إذا حبست سواء كانت مظلومة أو محبوسة بحق، فإنه يسقط حقها في النفقة.