قال المصنف رحمه الله: [وإن قال إن لم تكوني حاملًا فأنت طالقٌ حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن] : (حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن) إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق، فإن حاضت بعد ذلك فقد ثبت عندنا أنها لم تكن حاملًا؛ لأن الحامل -كما اختاره المصنف وطائفة من العلماء- لا تحيض، واستدلوا بقوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71] فمن العلماء من قال من أسماء الحيض: الضحك، واختاره بعض أئمة اللغة، وإن كان بعض المفسرين ضعف هذا القول واختار غيره، قالوا: ضحكت: بمعنى حاضت {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} [هود:71 - 72] ما قالت: أألد وأنا آيسة، لأنه نزل معها الحيض، قالوا: صار قولها: يا ويلتا أألد وأنا عجوز قرينة على أن معنى ضحكت إنما هو الحيض، وليس ضحك التعجب؛ لأنها وجدت ما يدل على إمكان الحمل منذ خروج الدم، وهذا من قدرة الله عز وجل وهو على كل شيء قدير.
فدلت الآية على أنه إذا وجد الحيض أمكن الحمل، وعلى ذلك: ينقطع الحمل بانقطاع الحيض، وقالوا على هذا أيضًا: ينقطع الحيض بوجود الحمل، ويتعلق كلٌ منهما بالآخر، فالشاهد: أن المرأة إذا قال لها: إن لم تكوني حاملًا فأنت طالقٌ احتمل أنها خلو، وإذا كانت خلوًا أي: ليست بحامل فإنها حينئذٍ تكون طالقًا عليه منذ أن تلفظ، فإذا كان الطلاق طلاقًا بائنًا بأن تكون هي الطلقة الأخيرة وقد طلقها طلقتين من قبل وبقيت طلقة واحدة فحينئذٍ ينبغي أن يُحتاط للاحتمال؛ لأنه لو جامعها لاحتمل أن تكون حاملًا، فيكون جامع الأجنبية المحرمة.
أما لو كانت الطلقة رجعية وجامعها فالرجعية فيها وجه أنها في حكم الزوجة، فالأمر أخف، وهذا الذي جعل المصنف يفرق بين الطلقة الرجعية والطلقة البائنة.
المسألة تقول: إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق، فأثبت الطلاق بنفي الحمل فإذا أثبت الطلاق بنفي الحمل وكانت المرأة لم يبق من طلاقها إلا تطليقة واحدة فإنه يحتمل أنها طالق فلا يجوز له أن يغرر بنفسه بجماع امرأة أجنبية منه، فلا بد أن نتحقق ونتأكد أنها حلال؛ لأنه بمجرد ذكره لصيغة الشرط على هذا الوجه جعل امرأته مترددة بين كونها حلالًا له إذا كانت حاملًا، وبين كونها حرامًا عليه إذا كانت حائلًا أي: غير حامل، فنحتاج إلى الاحتياط، وهذا الاحتياط صيانة للفروج فيجب عليه أن يستبرئها بحيضة فإن ظهر أنها غير حامل طلقت، وإن ظهر أنها حامل لا تطلق.
قال المصنف رحمه الله: [وهي عكس الأولى في الأحكام] : كما ذكرنا.