قال رحمه الله تعالى: [وإن نوى المنفرد الائتمام لم يصح كنية إمامته فرضًا] .
قوله: [وإن نوى المنفرد الائمتام لم يصح] ذلك أنه لما أحرم لزمته الصلاة، ولزمته قراءة الفاتحة، فكان أصله أقوى، ولذلك يقرر العلماء أن المنفرد أقوى من المأموم، وبعض الأحيان تجد المنفرد في حكم الإمام، وتجب على المنفرد أشياء لا تجب على المأموم كالتسميع والتحميد، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وتكون واجبة في حقه، لكن لو كان مأمومًا فإنه لا يجب عليه التسميع، وإنما يجب عليه التحميد وحده.
كذلك أيضًا في حَمْل السهو منه إذا كان مأمومًا، فلا يحمل سهو نفسه، ولا يحمل غيره عنه سهو نفسه إذا كان منفردًا، فكأن المنفرد بمثابة الإمام.
فقالوا: لا يصح من المنفرد أن ينتقل مأمومًا، وصورة المسألة: لو دخلت المسجد بعد أن انتهى الناس من صلاة الفريضة فكبرت للصلاة، فبعد أن دخلت فيها منفردًا جاءت بجوارك جماعة وانعقدت، بحيث يمكنك أن تخطو حتى تدخل في صفها، أو اقتربت منك بحيث يمكن أن تلتصق بمن بجوارك وتعتبر مأمومًا لهذا الإمام، فحينئذٍ إن قلنا: يصح للمنفرد أن ينتقل مأمومًا يجوز لك أن تدخل في هذه الجماعة، والصحيح أنه لا يجوز له، وخاصةً على مذهب من يرى أن الإمام يحمل عن المأموم الفاتحة، فقد تعينت عليه الفاتحة، وبانتقاله ينتقل من الأعلى إلى الأدنى على وجهٍ يُفوِّت الواجب الذي ذكرناه وهو قراءة الفاتحة عليه، فقالوا: لا يصح انتقال المنفرد مأمومًا كما لا يصح انتقال الإمام مأمومًا، فهذا مذهب من يقول بعدم صحة الانتقال.
وقوله رحمه الله: [كنية إمامته فرضًا] أي أنه لا يصح أن يدخل المأموم وراء المنفرد إذا طرأ عليه أثناء الصلاة.
والصحيح أنه يجوز له ذلك؛ لأن من العلماء من قال: لا يصح في الفرض إلا أن يكون من ابتداء الصلاة.
والصحيح أنه يستوي الفرض والنفل في ذلك، وقد ثبت من حديث ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (نمت عند ميمونة والنبي صلى الله عليه وسلم عندها في تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه) ، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة منفردًا، ثم آل أمره إلى كونه إمامًا، فالمنفرد والإمام بمرتبةٍ واحدة، فيجوز له أن يصير إمامًا سواءٌ أكان في فرضٍ أم نافلة.
فلو دخلت بعد صلاة الظهر لوحدك وأقمت الصلاة وكبّرت، فجاء رجل صح له أن يدخل معك حتى تصير لك الجماعة، وقد ثبت بذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلًا يصلي لوحده بعد إن انقضت الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام:(من يتصدق على هذا؟ فقال أبو بكر: أنا.
فقام أبو بكر فصلى معه)، فدل على أنه يجوز للمنفرد أن يصير إمامًا، وبناءً على ذلك يصح منه أن يكون في النفل، أو يكون في الفرض.