السؤالإذا اشتريت من محل مثلًا فاكهة أو خضروات وطلبت قليلًا من الزيادة، وأخذتها برضا البائع، فهل يجوز لي هذه الزيادة، أثابكم الله؟
الجواببالنسبة لطلب الزيادة فيه تفصيل: فإن كان المالك الحقيقي للمحل تطلب منه الزيادة فهذا ماله، يعطيك منه ما شاء، ولكن لا خير في سؤال الناس، فسؤال الناس إذا لم توجد حاجة لا خير فيه؛ لأنه يريق ماء الحياء من الوجه، والأفضل والأكمل لعبد الله أن يجعل فقره إلى الله، وغناه بالله سبحانه وتعالى، ومن يستعفف يعفه الله، وما أعطي عبد عطاءً أفضل من الغنى بالله جل جلاله.
فمن استغنى بالله أغناه، ومن استكفى بالله كفاه، ومن استغنى بخلق الله لم يزده الله إلا فقرًا، وجعل هم الدنيا بين عينيه، يلهث وراءها ويطلب ما فيها، فلا يشبع ولا يهنأ ولا يطيب حاله، ولو صبت أموال الدنيا بين يديه؛ لأن الله نزع البركة من قلبه، ونزع البركة من ماله، ونزع الرضا من قلبه.
فاعلم رحمك الله! أن الخير أن تستغني بالله عز وجل، ولذلك عتب النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابي حينما سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فقال: (ما يكون عندي من خير فلن أبخل به) وبين أن الإنسان لا يزال يسأل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم.
فلا ينبغي سؤال الناس خاصة لطالب العلم، فإن من حمل كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في صدره، عليه أن يتورع، وأن يستغني بالله، وأن يحس أن هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه أنه أغنى الناس بها، ومن أعطي كتاب الله عز وجل وظن أن غيره قد أعطي خيرًا مما أعطي فقد ازدرى ما عظم الله، فينبغي على طالب العلم، ومن هو قدوة كالعالم ألا يمد يده للناس، وألا يريق ماء وجهه لأحد غير الله جل جلاله.
وهذا أمر من الأهمية بمكان أن يعتني به طالب العلم، وليس في قضية الخضروات وغيرها، الأمر عام، فينبغي أن يجعل غناه بالله سبحانه وتعالى.
ومن قرأ أحوال السلف رحمهم الله، وكيف كان الاستغناء بالله جل جلاله شعارًا لهم ودثارًا، وكيف أن الله عز وجل أعطاهم خير الدين والدنيا والآخرة، وجمع لهم الفضائل، ويسر لهم المكارم، فعاشوا بأحسن عيشة، فكانت ثيابهم مرقعة، وفرشهم بالية، ولكن قلوبهم غنية زاكية بالله جل جلاله.
والعبد إذا استغنى بالله جل جلاله، لم يضره ما يلبس، ولذلك قال علي رضي الله عنه: (إنك إن اتقيت الله لم يضرك ما لبست) ، لبست لباس الغني أو لبست لباس الفقير، فلا يضرك ما دمت تتقي الله في قلبك.
المقصود: أن الأفضل والأكمل ألا يسأل العبد غير الله جل جلاله، وكانوا يقولون: إن سؤال الناس وكثرة اللهث وراء الدنيا يمحق بركة العلم، وبركة الاستقامة، فلذلك تجد الشخص الذي يكثر من سؤال الناس ويلح فإذا دخل السوق سأل البائع، وإذا جاء في عمله ووظيفته سأل، حتى لربما سأل فوق حاجته وفوق ما يستحق، فلا يزال يسأل ويسأل حتى تذهب مكانته من قلوب الناس، فيرتفع وهو وضيع، ويكرم وهو مهان، مجاملة ينظر إليه في ظاهره؛ لكنه إذا استغنى بالله جل جلاله وكان على العكس، فيكون عند الناس عزيزًا كريمًا، ولو كان في أضعف المراتب وأدنى المناصب، وذلك باستغنائه بالله سبحانه.
والشيء بالشيء يذكر! فقد ذكروا عن رجل أنه كان من أهل المدينة فأصابته والحاجة، فأراد أن يذهب إلى ابن عامر وكان أميرًا على البصرة، وكان من أجواد العرب، ومن أهل السخاء والجود، المعروفين بالمكرمات، فجاء هذا الأعرابي إلى أحد أبناء جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقال له: يا فلان! إني أريد منك أن تذهب معي إلى ابن عامر فقد أصابتنا الفاقة كما ترى، فلو ذهبت إلى ابن عامر معك رجوت أن يحسن إليّ، فخرجا من المدينة، حتى دخلا البصرة، فلما دخلا البصرة قال جابر لهذا الرجل: أولا أدلك على خير مما نحن فيه؟ قال: وما هو؟ قال: أن نصلي ركعتين ونستخير الله فإن كان الخير في دخولنا دخلنا، وإن كان الخير غير ذلك صرفنا الله إليه، فصلى هذا ركعتين، وصلى هذا ركعتين، فقال جابر: يا فلان! ماذا وجدت؟ فقال الرجل: وجدت أننا ندخل عليه، فقال ابن جابر: أما أنا فقد طابت نفسي أن أرجع إلى المدينة، فإن الذي أعطى ابن عامر هذا الخير الكثير هو الله، وكما أغناه يغنيني، وكما سد فقره يسد فقري -فقال كلامًا حسنًا- ثم رجع إلى المدينة، ودخل الأعرابي على ابن عامر، فلما دخل عليه، وكان البريد يأتي من المدينة، فيه أخبار الناس الذين يسافرون، فبلغ ابن عامر أن فلانًا خرج مع فلان، فلما رآه قال له: أين جابر؟ فقال: رحمك الله! إنه كان من أمره كيت وكيت.
فقال ابن عامر: يا فلان! أعطِ فلانًا -أي: ابن جابر - مائتي درهم، وأعط فلانًا مائة درهم، فقال هذا الأعرابي أبياتًا من الشعر تدل على فضل الاستغناء بالله جل جلاله، والتوكل على الله سبحانه وتعالى، فقال وهو يخاطب زوجته وكان اسمها: أمامة أمامة ما سعي الحريص بزائدٍ فتيلًا ولا عجز الضعيف بضائر خرجنا جميعًا من مساقط روسنا على ثقة منا بجود ابن عامر فلما أنخنا الناعجات ببابه تأخر عني اليثربي ابن جابر وقال ستكفيني عطية قادر على ما أراد اليوم للخلق قاهر فإن الذي أعطى العراق ابن عامر لربي الذي أرجو لسد مفاقري فلما رآني قال أين ابن جابر ومن كما حنت طراب الأباعر فأضعف إذا غاب عبد الله حظه على حظ لهفان من الجوع فاغر فالله جل جلاله إذا صدقت معه صدق معك، وإذا كان في قلبك أنك تستغني بالله سبحانه وتنصرف من المخلوق إلى الخالق، فإن الله يسوقك إلى خير الدين والدنيا والآخرة، واقرأ في تراجم السلف والعلماء تجد الأمر جليًا واضحًا، وكون الإنسان يبلغ إلى أن يأتي عند الميزان ليحرج هذا في قبضة من طعام أو في حبة من فاكهة، فهذا أمر يزري بالإنسان كثيرًا، فلا ينبغي للمسلم أن يوقف نفسه مثل هذه المواقف ويحرج الناس في أموالهم وبيعاتهم، فالأفضل له أن يعف نفسه فإن أعطاه ذلك بطيبة نفسه فالحمد لله، وإذا لم يعطه فإن الله سبحانه يغنيه من واسع فضله.
أما إذا كان الذي في المحل أو المتجر عاملًا، فالعامل لا يملك هذا المال، وليس من حقه أن يضر بمال سيده، فهذا لا يجوز، وحينئذٍ قال بعض العلماء: من الورع ألا تقبل من العامل الزيادة؛ لأنه كريم بمال غيره، وقد يضر بسيده، أي: يعلم أن سيده يؤذيه، فيؤذي سيده بمثل هذه التصرفات، فالورع والأكمل والأفضل للمسلم ألَّا يفعل هذا.
وكنت أرى بعض مشايخنا رحمة الله عليه يتورع عن الكيس الذي يعطيه البائع زائدًا عن حاجته، يكون الكيس -مثلًا- صغيرًا يمكن أن يكفي لحاجته فيعطيه كبيرًا، فلا يقبل، ويقول: هذا ليس ماله ويقول: هذا من الورع.
وإذا تعود طالب العلم الورع، وتسربل بسربال التقوى، وأخذ يحمل نفسه في مثل هذه الأمور، خاصة في أمور الدنيا التي فيها فتنة، وفيها رغبة وشهوة، والنفوس جُبلت على حبها وطلبها؛ إذا صرف همته لله مع وجود هذه الرغبة وهذه الشهوة، فإن الله يغنيه من واسع فضله، والله ذو الفضل العظيم، فإنها والله لسعادة للمؤمن ألَّا يمسي ولا يصبح إلا وهو غني بالله جل جلاله.
وكم من أشياء يظن الإنسان أنها تأتي بخير، فيلهث وراءها، ويسعى وراءها، فلا تزيده إلا همًا وغمًا ونكدًا! وكم من إنسان سعى لتجارة من الدنيا، جعل الله حتفه فيها! وكم من إنسان سعى إلى رزق من الدنيا بالَغَ في طلبه، حتى فرَّط في صلاته وفي خشوعه، فمحق الله بركة تلك التجارة.
فالعبد دائمًا يجعل الآخرة نصب عينيه، وليس معنى هذا أن نترك الدنيا؛ ولكن المراد ألَّا نغلو، وألَّا نبالغ في التمسك بالدنيا، حتى إنك قد تجد الرجل إذا لم يجد هذا الشيء ولم يصل إليه، كأنه يفوته كل شيء.
فعلى المسلم أن يحمد الله على فضله، ويعلم أن الله سبحانه خلق الخلق فأحصاهم عددًا، وقسم أرزاقهم فلم ينسَ منهم أحدًا، {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود:6] ، فالله جل جلاله متكفل بعباده.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يغنينا من واسع فضله العظيم.
اللهم إنا نسألك أن تغنينا من واسع فضلك العظيم، وأن تفتح لنا من بركاتك ورحماتك ما تغنينا به عن خلقك، وألَّا تجعل لنا إلى لئيم حاجة يا رب العالمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.