قال رحمه الله: [وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه] : هذه الحالة الثانية من الخلاف: وهي أن يقع الخلاف في صفة العقد، يقول البائع: بعتك بعشرين ألفًا نقدًا، ويقول المشتري: اشتريت منك بعشرين ألفًا ولكن إلى نهاية السنة، فيدعي المشتري أنها مؤجلة، والبائع يقول: نقدًا، فاختلفا في تعجيل الثمن وتأجيله.
فهذا اختلاف في إثبات الأجل ونفيه.
وتارة يكون الاختلاف بطول الأجل وقصره، فيقول البائع: بعتك بعشرين ألفًا إلى نهاية هذه السنة، فيقول المشتري: بل اشتريت بعشرين ألفًا إلى نهاية السنة القادمة أو السنة التي بعدها، فحينئذ إما أن يقع الخلاف في التعجيل والتأجيل من حيث الأصل إثباتًا ونفيًا، أو يتفقا على التأجيل ولكن يختلفان في أمد التأجيل، فحينئذٍ كيف يفصل بينهما؟ هل نقول: القول قول البائع؛ لأنه هو الذي باع السلعة وبذلها وهو أدرى بما بذل، ولا بد أن نجد الرضا منه حتى يصح البيع؟ أم نقول: القول قول المشتري؟ أم نفصل؟
والجوابالتفصيل: فإذا اختلفا في التعجيل والتأجيل فالقول قول من ينفي التأجيل؛ لأن الأصل في البيع التعجيل، والتأجيل خلاف الأصل فالقول قول من ينفيه.
ومعنى قول العلماء: القول قول فلان بمعنى أنه مدعىً عليه، فإذا عرفت أن هناك مدعيًا ومدعى عليه، فالقول قول المدعى عليه، ويُطالب المدعي بالبينة.
فالعلماء حينما يذكرون الخلاف بين البائع والمشتري لا بد أن يقرروا أولًا من المظلوم فهو المدعى عليه، فيقولون: القول قول المشتري، أو قول البائع، أو قول من ينفيه، فإذا قال له: بعتك معجلًا، فقال: بل مؤجلًا، فالبائع ينفي الأجل، والمشتري يثبته، فنقول: القول قول البائع أنها معجلة، حتى يثبت المشتري أنها مؤجلة، وهذا بالنسبة للتأجيل والتعجيل.
كذلك أيضًا حينما يختلفان في شرط، فقال له: بعتك هذه العمارة بعشرين ألفًا، فقال: اشتريتها منك بعشرين ألفًا بشرط أن يكون فيها -مثلًا- الماء، أو بشرط أن يكون فيها الكهرباء، أو أن يكون فيها منافع معينة اشترطها، فقال البائع: لم تشترط عليّ هذا الشيء.
فالشرط يدعيه المشتري وينفيه البائع، فالقول قول البائع حتى يثبت المشتري بالبينة أنه قد اشترى على وجه متضمنًا الشرط، هذا معنى قوله: (فالقول قول من ينفيه) .
والقاعدة عندنا: وقيل من يقول قد كان ادعى ومن يكن لمن عليه يدعى فالذي يقول: حدث كذا، فإنه المعني بقول الناظم: (قد كان ادعى) فهو (مدعٍ) ، والذي يقول: لم يكن (مدعى عليه) هذا الأصل.
لكن في هذه الحالة اختلفت صورة الأصل، فإنه في مسألتنا حينما يقول: بعتك مؤجلًا، فالأصل المعجل، وقبلنا قول من يقول بالتعجيل؛ لأن الأصل يشهد به، والأصل أن يبيع البائع نقدًا، ودعوى الأجل خلاف الأصل، فحينئذٍ نطالب من يدعي الأجل بالدليل والبينة.
فمن يقول -مثلًا-: هذا العبد اشترطت أن يكون كاتبًا، نقول: هذه صفة زائدة فائت بالبينة؛ لأن الأصل أن البيع وقع على هذه الحالة الموجودة عليها الصفقة، فإذا ادعيت أمرًا زائدًا فعليك البينة وعليك الدليل