فالمفلس إذن هو الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته وأما عند الفقهاء فهو من دَينُهُ أكثرُ من ماله وخَرْجُهُ أكثرُ من دخله والأصل فيه ما رواه الدار قطني وغيره عن كعب بن مالك (أنه صلى الله عليه وسلم حَجَرَ على معاذٍ وباع عليه ماله وقسمه بين غرمائه فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لكم إلا ذاك) .
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: أٌُصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: (تصدقوا عليه) فلم يبلغ وفاءَ دينِهِ، فقال: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) .
مَنْ عليه ديون حالَّة زائدةٌ على ماله يُحْجَرُ عليه في ماله بسؤال الغرماء من الحاكم بلفظ حجرت ومنعت فقد حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ رضي الله عنه بسؤال الغرماء ولا حجر بدين الله تعالى من نذر وكفارة ولا بالمؤجل إذ لا مطالبة به في الحال وإذا حُجِرَ بحالٍّ لم يحلَّ المؤجل في الأظهر لأن الأجل مقصودٌ فلا يُفوّت الأجلُ عليه وقيل يحلُّ لتعلق الدين بالمال فسقط الأجل كالموت ولو كانت الديون بقدر المال فإن كان كسوبًا ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة إلى الحجر بل يلزمه الحاكم بقضاء الدين فإن امتنع باع عليه وإن لم يكن كسوبًا وكانت نفقتُهُ من ماله فكذا أي فلا حجر عليه في الأصحِّ وقيل يحجر عليه لحقِّ الغرماء حتى لا يضيع ماله في النفقة. ولا يحجر بغير طلب من الغرماء فلو طلب بعضُهم الحجرَ ودينُه قَدْرٌ يحجر به بأن كان زائدًا على مال المدين حُجِرَ وإلا أي إن لم يزد الدين على ماله فلا حجر فإذا حجرنا عليه فإنَّ أثَرَ الحجر لا يختص بالطالب بل يعم جميع الغرماء ويحجر بطلب المفلس في الأصح لكن بعد دعوى الغرماء بالدين وثبوته ببينة أو إقرار ولا يكفي علم القاضي وقيل بدون دعوى الغرماء لأن له فيه غرضًا ظاهرًا وهو التخلص من الدين وصرف ماله فيه فإذا حُجِرَ عليه بطلب أو بدونه تعلق حقُّ الغرماء بماله كالرَّهنِ عينًا كان ماله أو دينًا حتى لا ينفُذ تصرفه في المال بما يضر الغرماء وحتى لا تزاحمهم الديون الحادثة بعد الحجر. وأشهد الحاكم ندبًا على حجره على المفلس ليحذر الناس معاملته ويسنُّ أن يعلنَ الحاكمُ في وسائل الإعلام الحجر عليه وبالحجر عليه يمتنع