كفاية إجماعًا دلَّ على ذلك سيرة الخلفاء الراشدين ويحصل بشحن الثغور بالمقاتلين والعتاد (والثغور هي محال الخوف التي تلي بلاد الكفار) ويتولى ذلك أمراء مؤتمنون مشهورون بالشجاعة والنصح للمسلمين كما يحصل فرض الكفاية بأن يدخل الإمام أو نائبه دار الكفار بالجيوش لقتالهم إخمادًا لشوكتهم وإظهارا لعجزهم عن الظفر بشيء من بلادنا قال تعالى: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) [التوبة/126] قال مجاهد: نزلت في الجهاد وقد فعله صلى الله عليه وسلم فلم يترك الجهاد في سنة من سنوات حياته منذ أُذِنَ له في ذلك فكانت بدر الكبرى في السنةالثانية وأحد وبني النضير في الثالثة والخندق في الرابعة وذات الرقاع ودُومَة الجندل وبني قريظة في الخامسة والحديبة وبني المصطلق في السادسة وخيبر في السابعة ومؤتة وذات السلاسل وفتح مكة وحنين والطائف في الثامنة وتبوك في التاسعة وتوفي صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين ... لاثني عشر خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وكانت حجة الوداع في السنة العاشرة وفيها نزلت (اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) [المائدة/ 3] .
إذا فعله من فيهم كفاية سقط عن الباقين لأن هذا شأن فروض الكفاية ويأثم الجميع بترك فرض الكفاية حيث كانوا من أهل الوجوب. ومن فروض الكفاية القيام بإقامة الحُجَجِ العلمية وهي البراهين على إثبات الصانع عزَّ وجلَّ وما يجب له من صفات وما يستحيل عليه منها وعلى إثبات النبوات للأنبياء وعلى إثبات ما ورد الشرع به من إثبات البعث والحساب والقيامة والجنَّة والنار. وحل المشكلات في الدين ودفع الشُبَهِ عنه ومعرفة أمراض القلوب وحدودها وأسبابها كالحسد والرياء والكبر. وبعلوم الشرع كتفسير وحديث فمن فروض الكفاية القيام بعلوم الشرع ويدخل في ذلك التفسير والحديث وما يتعلق بهما من علم العربية كعلم النحو والصرف والاشتقاق والمعاني والعروض وغير ذلك.
و من فروض الكفايةالإحاطة بالفروع الفقهية زائدًا على ما لا بدَّ منه بحيث يصلح للقضاء والفُتْيَا لشدة الحاجة إلى ذلك فإن قدر على الترجيح دون الاستنباط فهو مجتهد الفتوى وإن قدر على الاستنباط من