كما لو كان في وطنه, قال الشافعي: إلا أن يخاف إذا رجع تلفًا فلا يرجع إن لم يحضر الصف فإن كان الرجوع من الوالدين أو الغريم بعد التقاء الصفين فليس له أن يرجع قال تعالى: (ومن يولهِّم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) الأنفال/16. فإن رجوعه في هذه الحالة ربما كان سببًا لهزيمة المسلمين فلم يكن له ذلك.
فإن شرع من قتال حَرُمَ الانصراف في الأظهر لوجوب المصابرة قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا) الأنفال/45. والانصراف من المعركة يشوش الصفوف ويكسر القلوب.
الثاني: من حال الكفار أن يدخلوا بلدة لنا أو ينزلوا في جزر أو على جبل في دار الإسلام ولو كان بعيدًا عن المدن المأهولة بالسكان فيلزم أهلهَا دفعٌ بالممكن ويكون الجهاد حينئذ فرض عين. قال تعالى: (انفروا خفافًا وثقالًا) التوبة/41. فالنفير يعم الجميع المُقِلَّ منهم والمُكْثِرَ ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يُحْتَاجُ إلى تخلفهم لحفظ المكان والأهل والمال فقد روى الشيخان عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(وإذا استُنْفِرتم فانفروا ) ) . فإن أمكن تأهب لقتال بأن لم يهجموا علينا بغتة وجب الممكن لدفع الكفار بحسب القدرة حتى على فقير بما يقدر عليه وولد ومدين وهو من عليه دين وعبد بلا إذن من أبوين وصاحب دين وسيد ويَنْحَلُّ الحجرُ عنهم لأن دخول الكفار إلى أرض الإسلام أمر عظيم لا يهمله إلا من لا دين له ولا غيرة ويجوز لآحاد الناس أو يردوا الكفار دون استئذان الإمام إن كان إمام وتعذر استئذانه لأن المصلحة تتعين في قتالهم لتعيُّنِ الفساد في تركهم ولذلك (لما أغار الكفار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجًا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:(خير رجالتنا سلمة بن الأكوع) وأعطاه سهم فارس وراجل) وقيل إن حصلت مقاومة بأحرار اشتُرِطَ إذن سيدهم أي العبيد لأن في الأحرار غُنية والأصح لا يشترط الإذن لتقوى شوكةُ المسلمين ويشتدُّ ساعدُهُم وإلا بأن لم يمكن أهل البلدة التأهب لقتال الكفار وذلك بأن هجموا فجأة فمن قُصِدَ من المكلفين ولو امرأة أو مريض دفع عن نفسه الكفار بالممكن وجوبًا إن علم أنه إذا أُخِذَ قُتِلَ