-مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس.
قال: المزني دخلت على الشافعي -رحمه الله- في علته التي توفي فيها فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا ولكأس المنية شاربًا ولسيء أعمالي ملاقيًا وعلى الله الكريم واردًا فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيّها؟ ثم بكى وأنشد:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلتُ الرجا منِّي لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منةً وتكرما
فإن تعف عني تعف عن ذي إساءة ... ظلومٍ غشومٍ لا يزايل مأثما
وإن تنتقم مني فلست بأيس ... ولو دخلتْ روحي بجُرْمي جهنما
قال الشافعي: يا ربيع رضاء الناس غاية لا تدرك فعليك بما يصلحك فالزمه فإنه لا سبيل إلى رضاهم واعلم أن من تعلم القرآن جلّ في أعين الناس ومن تعلم الحديث قويت حجته ومن تعلم النحو هِيبَ ومن تعلم العربية رقَّ طبعُه ومن تعلم الحساب جَزُلَ رأيه ومن تعلم الفقه نبل مقداره ومن لم يصنْ نفسَهُ لم ينفعْهُ علمُهُ وملاك ذلك كله التقوى.
ودخل يومًا على أبي عبد الصمد مؤدب أولاد الرشيد وقال له موصيًا: ليكنْ أولُ ما تبدأُ به من إصلاحِ أولاد أمير المؤمنين إصلاحَ نفسك فإن أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنته والقبيح عندهم ما كرهته عَلِّْمْهم كتاب الله عز وجل ولا تكرههم عليه فيملوه ولا تتركهم منه فيهجروه ثم زودهم من الشعر أعقله ومن الحديث أشرفه ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يُحْكِمُوه فإنَّ ازدحام الكلام في السمع مضلَّةٌ للفَهْمِ.