فإن كان منهم مسلم أسير أو تاجر جاز ذلك على المذهب أي إذا كان في الكفار أسارى من المسلمين جازرميهم بالنار والمنجنيق وإرسال الماء عليهم إن دعت إلى ذلك ضرورةٌ أو كان الفتح لا يحصل إلا بذلك لئلا يتعطلَ الجهادُ لحبس مسلم عندهم وإصابة المسلم متوهمة وإن أصيب رزق الشهادة.
ولو التحم حربٌ فتترسوا بنساء وصبيان جاز رميهم إذا دعت الضرورة إلى ذلك لأنهم لو تركوا لغلبوا المسلمين ولكان ذلك سببًا لتعطل الجهاد. وإن دَفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم لأن في ذلك منع قتل النساء والصبيان من غير ضرورة (ولأنا نهينا عن قتل النساء والصبيان) رواه الشيخان عن ابن عمر.
وإن تترسوا بمسلمين فإن لم تدعُ ضرورةٌ إلى رميهم تركناهم وجوبًا فلا نرميهم صيانة لهم فإنَّ حُرْمَتَهُم لأجل الدين حيث أن الحقَّ في المسلم لله سبحانه وتعالى. وإلا جاز رميهم وذلك إذا تترس الكفار بهم حالَ الحربِ والتحامِ القتال لأنَّا لو كففنا عنهم لظفروا بنا أو عظمت نكايتهم فينا وتَوقُعُ هلاكَ طائفةٍ من المسلمين يُتحمل من أجل الدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكلية. ويحرم الانصراف عن الصف ولو كان الغالب على ظنه أن لو ثبت قُتِلَ. قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار) الأنفال/16. وفي الصحيحين عن أبي هريرة (اتقوا السبع الموبقات وعدََ منها التولي يوم الزحف) إذا لم يزد عددُ الكفار على مثلَيْنَا بأن كانوا مثلينا أو أقلَّ حرم الانصراف قال تعالى: (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مئتين) الأنفال/66. فأوجب على كل مسلم مصابرة الاثنين.
قال ابن عباس (من فرََ من ثلاثة فلم يفرَّ ومن فرَّ من اثتين فقد فرََ) أي من فرّ من ثلاثة فلم يفرّ الفرار المذموم في القرآن ومن فرّ من اثنين فقد فرّ الفرار المذموم في القرآن. قال بعضهم: الآية جاءت على صيغة الخبر فكيف جعلتموه أمرًا؟ والجواب أن الله تعالى قال (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا) الأنفال/66. بعد أن قال (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا) والتخفيف يقع في الأمر لا في الخبر فكانت الآية على الأمر.