فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 1015

تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي (يَكُنْ) وَ (هُوَ) اسْمُ (كَانَ) ، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالُ، وَالضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ فِي الرِّوَايَةِ خَبَرُ (كَانَ) .

فَهَذَا وَاقِعُ الاسْتِدْلاَلِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ: هَلِ الأَوْلَى فِي خَبَرِ (كَانَ) إِذَا وَقَعَ ضَمِيرًا أَنْ يَكُونَ مُتِّصَلًا، أَوْ مُنْفِصَلًا؟، فَهَذَا الْحَدِيثُ شَاهِدٌ لاخْتِيَارِ الاتِّصَالِ، وَأَمَّا (إِنْ يَكُنْ هُوَ) فَلَيْسَتْ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِي شَيْءٍ؛ إِذْ لَيْسَ الضَّمِيرُ فِيهَا خَبَرَ (كَانَ) قَطْعًا» [1] .

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ اخْتِيَارَ الْجُمْهُورِ وَتَرْجِيحَهُمُ الانْفِصَالَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالسَّمَاعِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ، وَتَابَعَهُ الدُّكْتُورُ مَحْمُودٌ فَجَّالٌ [2] .

أَمَّا مُخَالَفَتُهُمْ لِلْقِيَاسِ فَوَاضِحَةٌ؛ لأَنَّهُ لاَ يُؤْتَى بِالضَّمِيرِ مُنْفَصِلًا إِذَا أَمْكَنَ اتِّصَالُهُ، إِلاَّ لِغَرَضٍ بَلاَغِيٍّ، وَالاتِّصَالُ -كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ- مُمْكِنٌ، وَلاَ مُسَوِّغَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ.

وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُمُ السَّمَاعَ فَفِيهَا نَظَرٌ؛ لأَنَّ كِلاَ الاسْتِعْمَالَيْنِ مَسْمُوعٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ، فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، إِلَى أَيِّهِمَا أَوْثَقُ وَأَكْثَرُ، فَيُجْعَلُ مَثَلًا يُقْتَدَى، وَمِقْيَاسًا يُحْتَذَى، فَحَينَئِذٍ -لاَ شَكَّ- أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ، وَتُقَدَّمُ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الِّتِي دُونَهَا شُهْرَةً وَوُضُوحًا، قَالَ ابْنُ النَّاظِمِ: « ... وَاخْتَارَ أَكْثَرُهُمُ الانْفِصَالَ، وَالصَّحِيحُ اخْتِيَارُ الاتِّصَالِ؛ لِكَثْرَتِهِ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الْفَصِيحِ كَقَوْلِهِ (لِعُمَرَ (فِي ابْنِ صَيَّادٍ:"إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ"، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ عَمَّنْ يُوثَقُ بِهِ"عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي" [3] وَأَنْشَدَ لأَبِي الأَسْوَدِ:

فَإِنْ لاَ يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ***أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا

وَأَمَّا الانِفَصَالُ فَجَاءَ فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:

لَئِنْ كَانَ إِيَّاهُ لَقَدْ حَالَ بَعْدَنَا***عَنِ الْعَهْدِ وَالإِنْسَانُ قَدْ يَتَغَيَّرُ

وَلَمْ يَجِئْ فِي النَّثْرِ إِلاَّ فِي الاسْتِثْنَاءِ نَحْوِ: أَتَوْنِي لَيْسَ إِيَّاكَ. وَلاَ يَكُونُ إِيَّاكَ. فَإِنَّ الاتِّصَالَ فِيهِ مِنَ الضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ:

عَدَدْتُ قَوْمِي كَعَدِيدِ الطَّيْسِ***إِذْ ذَهَبَ الْقَوْمُ الْكِرَامُ لَيْسِي» [4] .

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(1) مصابيح الجامع الصحيح نقلا عن: تعقبات الدماميني على الزركشي/ للأستاذ الدكتور علي سلطان الحكمي، ص:144.

(2) ينظر: الحديث النبوي في النحو العربي/ للدكتور محمود فجال، ص:158.

(3) ينظر: الكتاب 1/ 250، وأسرار العربية، ص:164، وشرح جمل الزجاجي/ لابن عصفور 2/ 287، والبسيط في شرح جمل الزجاجي/ لابن أبي الربيع 2/ 770، وشرح جمل الزجاجي/ لابن هشام، ص:323.

(4) شرح الألفية له، ص:63، 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت