قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُهُ"لُمَّ"مِنْ قَوْلِهِمْ:"لَمَّ اللهُ شَعْثَهُ"، أَيْ: جَمَعَهُ، كَأَنَّهُ أَرَادَ: لُمَّ نَفْسَكَ إِلَيْنَا، أَيْ: اقْرُبْ، وَ"هَا"لِلتَّنْبِيهِ، وَحُذِفَتْ أَلِفُهَا؛ لِكَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ، وَجُعِلاَ اسْمًا وَاحِدًا، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ، وَالاِثْنَانِ، وَالْجَمْعُ، وَالْمُؤَنَّثُ، فَيُقَالُ فِي الْجَمَاعَةِ:"هَلُمَّ".
هَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {? ? ? ?} [1] .
وَأَهْلُ نَجْدٍ يُصْرِّفُونَهَا، فَيَقُولُونَ لِلاِثْنَيْنِ:"هَلُمَّا"، وَلِلْجَمْعِ:"هَلُمُّوا"، وَلِلْمَرْأَةِ:"هَلُمِّي"، وَلِلنِّسَاءِ:"هَلْمُمْنَ".
وَالأَوَّلُ أَفْصَحُ. هَذَا كَلاَمُ الْجَوْهَرِيِّ» [2] .
هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ الآخَرُ بِاللُّغَتَيْنِ، قَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « (هَلُمَّ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ) بِفَتْحِ مِيمِ"هَلُمَّ"مُشَدَّدَةً، مَعَ الْخِطَابِ لِلْمُؤَنَّثَةِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَالْمُفْرَدُ وَغَيْرُهُ، تَقُولُ:"هَلُمَّ يَا زَيْدُ، وَيَا هِنْدُ، وَيَا زَيْدَانِ، وَيَا هِنْدَانِ"، وَلأَبِي ذَرٍّ عَنِ الْكَشْمِيهَنِيِّ"هَلُمِّي"بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ، أَيْ: هَاتِ» [3] .
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ النُّحَاةَ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ أَسْمَاءِ الأَفْعَالِ إِلَى أَقْوَالٍ أَبْرَزُهَا قَوْلاَنِ:
الْقَوْلُ الأَوَّلُ: أَنَّهَا أَسْمَاءٌ نَابَتْ عَنْ أَلْفَاظِ الأَفْعَالِ، وَلَيْسَتْ أَفْعَالًا؛ لِذَا فَإِنَّهَا تَنْحَطُّ عَنِ الأَفْعَالِ دَرَجَةً؛ فَلاَ تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الأَفْعَالِ، وَلاَ تَتَّصِلُ بِهَا الضَّمَائِرُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ النُّحَاةِ الْقُدَامَى كَالْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلُغَةِ الْحِجَازِيِّينَ.
وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَدِلَّةٌ، مِنْهَا:
(1) سورة الأحزاب، من الآية:18.
(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9/ 99. وينظر: إكمال الإكمال 3/ 429، وعمدة القاري 15/ 58، وعقود الزبرجد 2/ 422، 423.
(3) إرشاد الساري 8/ 71. وينظر: مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:991، وعمدة القاري 16/ 122.