يُسْتَخْلَصُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ صِيَغَ الْمُبَالَغَةِ -وَهِيَ:"فَعِلٌ، وَفَعَّالٌ، وَفَعُولٌ، وَفَعِيلٌ، وَمِفْعَالٌ"- تُؤْخَذُ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ الْمُجَرَّدِ الْمُتَعَدِّي، فَلاَ يَصِحُّ اشْتِقَاقُهَا مِنْ غَيْرِ الثُّلاَثِيِّ الْمُجَرَّدِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى هَدْمٍ وَحَذْفٍ مِنْ بِنَاءِ الْفِعْلِ.
ثَانِيًا: أَنَّ مَا يَأْتِي بَعْدَ"سَمِيعٍ، وَأَلِيمٍ"مِنْ مَفْعُولٍ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ الْفِعْلَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ:
فَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا مَفْعُولٌ وَاحِدٌ فَهُوَ مِنْ ثُلاَثِيٍّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا مَفْعُولاَنِ فَهُوَ مِنْ"أَفْعَلَ"؛ فَتَكُونُ بِالأَوَّلِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَبِالثَّانِي مُخَالِفَةً لِلْقِيَاسِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ"سَمِيعًا، وَأَلِيمًا"فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، الرَّاجِحُ فِيهِمَا أَنَّهُمَا مِنْ"سَمِعَ، وَأَلِمَ"عَلَى الْقِيَاسِ؛ لأَنَّهُمَا مُتَعَدِّيَانِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
وَأَمَّا"نَذِيرٌ"فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ فَمُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، فَتَصْدُقُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ.
ثَالِثًا: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ"سَمِيعٌ، وَأَلِيمٌ"بِأَنَّهُ مِنْ"سَمِعَ، وَأَلِمَ"عَلَى الْقِيَاسِ؛ لأَنَّ"سَمِعَ، وَأَلِمَ"ثُلاَثِيَانِ مُجَرَّدَانِ مُتَعَدِّيَانِ. [1]
وَيُمْكِنُ أَنْ تُوَجَّهُ الثَّلاَثَةُ ("أَلِيمٌ، وَسَمِيعٌ، وَنَذِيرٌ") بِأَنَّهَا بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ قِيَاسًا، لاَ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ، فَـ"سَمِيعٌ"بِمَعْنَى:"سَامِعٍ" [2] ، وَ"أَلِيمٌ"بِمَعْنَى:"مُؤْلِمٍ"، وَ"نَذِيرٌ"بِمَعْنَى:"مُنْذِرٍ"، قَالَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِِ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ:"نَذِرْتُ الْقَوْمَ": إِذَا عَلِمْتُ بِهِمْ، فَاسْتَعْدَدْتُ لَهُمْ،"أَنْذَرُ"-بِكَسْرِ الثَّانِي مِنَ الْمَاضِي، وَفَتْحِهِ مِنَ الْمُسْتَقْبِلِ- فَجَاءَ عَلَى وَزْنِ:"علِمْتُ أَعْلَمُ"؛ لأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَتَقُولُ فِيهِ:"أَنْذَرَنِي فُلاَنٌ كَذَا وَكَذَا، إِنْذَارًا"، مِثْلَ:"أَعْلَمَنِي إِعْلاَمًا"، فَهُوَ"مُنْذِرٌ وَنَذِيرٌ"، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [3] ، { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [4] ، وَقَالَ تَعَالَى:
(1) ينظر: اللسان (س م ع) 8/ 162، و (أ ل م) 12/ 22، والمصباح المنير في المادتين أنفسهما.
(2) ينظر: اللسان (س م ع) 8/ 162.
(3) سورة البقرة، من الآية: 119.
(4) سورة فاطر، من الآية: 24.