يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ عَوْدَ ضَمِيرِ الْمُثَنَّى عَلَى الْجَمْعِ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ لِدَاعٍ مَعْنَوِيٍّ هُوَ: أَنَّهُ قَدْ يَعُودُ الضَّمِيرُ مُثَنًّى إِلَى الْجَمْعِ؛ لأَهَمِيَّةِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، فَيُسْتَغْنَى بِذِكْرِ الأَهَمِّ عَنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [1] حَيْثُ ثَنَّى الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ:(فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا) ، ثُمَّ أَفْرَدَهُ بِقَوْلِهِ: (فَتَشْقَى) ؛ وَذَلِكَ أَنَّ شَقَاءَ حَوَّاءَ تَبَعٌ لِشَقَاءِ آدَمَ؛ لِذَا أَغْنَى ذِكْرُ شَقَاءِ الأَصْلِ عَنْ ذِكْرِ شَقَاءِ الْفَرْعِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ هُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ؛ إِذِ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَوْدَ الضَّمِيرِ مُثَنًّى عَلَى الْمُثَنَّى، وَعَوْدَ الضَّمِيرِ جَمْعًا عَلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ خُولِفَ هَذَا الأَصْلُ -هُنَا-؛ لِغَرَضٍ بَلاَغِيٍّ فِي مُنْتَهَى الْفَصَاحَةِ، وَهُوَ الاكْتِفَاءُ بِذِكْرِ الأَصْلِ عَنِ الْفَرْعِ.
ثَانِيًا: أَنَّ تَعُدُّدَ الرِّوَايَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى مَا يُؤَيِّدُ أَحَدَ الاحْتِمَالاَتِ، بَلْ قَدْ يُرَجِّحُهُ؛ فَيَرْتَفِعُ الإِشْكَالُ؛ وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ السَّابِقَ (فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا) يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
1 -أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (هُمَا) عَائِدًا عَلَى (مُوسَى وَالْخِضْرِ وَيُوشَعَ) وَهُمْ جَمَاعَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَكَلَّمُوهُمْ) بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فِي بَابِ الضَّمَائِرِ.
2 -أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المثنَّى (هُمَا) عَائِدًا عَلَى مُوسَى وَالْخِضْرِ؛ لِلاِهْتِمَامِ بِهِمَا، مَعَ كَوْنِ الْكَلاَمِ عَنْهُمَا وَعَنْ يُوشَعَ فَتَى مُوسَى.
وَالرَّاجِحُ الاِحْتِمَالُ الثَّانِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «فَكَلَّمُوهُمْ» ، وَبِدَلِيلِ الرَّوَايَةِ الأُخْرَى (فَحَمَلُوهُمْ) بِضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) سورة طه، من الآية:117.