فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 1015

وَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ [1] -أَيْضًا- وُجِّهَ الْحَدِيثُ الآخَرُ: «لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» [2] ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ:"لاَ وِتْرَيْنِ"؛ لأَنَّهُ اسْمُ"لاَ"النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ.

بَعْدَ دِرَاسَةِ هَذَا الْمَبْحَثِ تَبَيَّنَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يُرْفَعَ الْمُثَنَّى بِالأَلِفِ، وَيُنْصَبَ وَيُجَرَّ بِالْيَاءِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ جُمْهُورَ النُّحَاةِ يَرَوْنَ أَنَّ إِعْرَابَ الْمُثَنَّى بِالأَلِفِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالأَفْصَحِ.

وَيَرَى الْفَرَّاءُ وَالْمُحْدَثُونَ أَنَّ إِعْرَابَ الْمُثَنَّى بِالأَلِفِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، بَلْ هُوَ الأَقْيَسُ؛ وَذَلِكَ -فِي نَظَرِ الْفَرَّاءِ- حَمْلًا لَهُ عَلَى إِعْرَابِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ، فِي إِتْبَاعِ حَرْفِ الإِعْرَابِ جِنْسَ الْحَرَكَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، -وَفِي نَظَرِ الْمُحْدَثِينَ- أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّوْرُ الأَخِيرُ الأَكْمَلُ لِلصَّوْتِ الْمُرَكَّبِ"DIPHTHONG"، الَّذِي قَدْ مَرَّ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِثَلاَثَةِ أَطْوَارٍ، وَأَمَّا إِعْرَابُ الْمُثَنَّى بِالْيَاءِ نَصْبًا وَجَرًّا -فِي نَظَرِ هَؤُلاَءِ- فَمِنَ الطَّوْرِ الأَوَّلِ؛ لِذَا فَهُوَ أَقَلُّ فَصَاحَةً.

وَهَذَا الرَّأْيُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- مُضْطَرِبٌ؛ لأَنَّّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ طَوْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي اللُّغَةِ النَّمُوذَجِيَّةِ؛ مِمَّا يَنْفِي وُجُودَ هَذَا التَطَوُّرِ الَّذِي يَدَّعُونَهُ؛ إِذْ لاَ دَلِيلَ لِلْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ بَيْنَ طَوْرِ الْيَاءِ وَطَوْرِ الأَلِفِ، وَلاَ مُسَوِّغَ- عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ هَذَا الرَّأْيِ- لِلرُّجُوعِ إِلَى الطَّوْرِ الأَوَّلِ بِالْيَاءِ نَصْبًا وَجَرًّا، بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى الطَّوْرِ الأَخِيرِ الأَكْمَلِ بِالأَلِفِ رَفْعًا.

ثَانِيًا: أَنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ الْقِرَاءَةُ: {إنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} عَلَى لُغَةِ مَنْ يُلْزِمُ الْمُثَنَّى الأَلَفَ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ، وَلَهَا تَوْجِيهَاتٌ أُخْرَى مِنْهَا [3] :

1 -أَنَّ (إِنَّ) بِمَعْنَى (نَعَمْ) ، وَ (هَذَانِ) مُبْتَدَأٌ، وَ (لَسَاحِرَانِ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: لَهُمَا سَاحِرَانِ.

2 -أَنَّ الأَصْلَ:"إِنَّهُ هَذَانِ لَهُمَا سَاحِرَانِ"ثُمَّ حُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَحُذِفَ الْمُبْتَدَأُ الثَّانِي (هُمَا) ، وَأُخِّرَتْ لاَمُ الاِبْتِدَاءِ إِلَى الْخَبَرِ، فَبَقِيَ (إِنَّ) ، وَالْمُبْتَدَأُ الأَوَّلُ (هَذَانِ) ، وَخَبَرُ الْمُبْتَدَإِ الثَّانِي (سَاحِرَانِ) .

3 -أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الإِعْرَابُ لاَ يَظْهَرُ فِي الْوَاحِدِ (هَذَا) جُعِلَ كَذَلِكَ فِي التَّثْنِيَةِ؛ لأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَيْهِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(1) ينظر: شرح الأشموني 1/ 79، وهمع الهوامع 1/ 132، والحديث النبوي في النحو العربي/ للدكتور محمود فجال، ص:154.

(2) أخرج الحديث أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في نقض الوتر، ح (1439) 1/ 456، والترمذي، باب لا وتران في ليلة، ح (470) 2/ 333، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب نهي النبي (عن الوترين في ليلة، ح(1387) 1/ 436.

(3) ينظر: معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 3/ 361 - 364، وشرح المفصل 2/ 357، وشرح شذور الذهب/ لابن هشام، ص:65 - 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت