الْمَطْلَبُ الأَوَّلُ: وُقُوعُ خَبَرِ"جَعَلَ"فِعْلًا مِاضِيًا.
الْقِيَاسُ: أَنَّ خَبَرَ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ يَكُونُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، فِعْلُهَا مُضَارِعٌ [1] .
الْمُخَالَفَةُ: جَاءَ وُقُوعُ خَبَرِ"جَعَلَ"فِعْلًا مَاضِيًا، مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي:
1 -قَوْلِهِ (: « ... فَجَعَلَ كُلَمَّا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ» [2] .
2 -وَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنْ جَمْعِ النَّبِيِّ (قُرَيْشًا فِي الصَّفَا: « ... فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ مَا هُوَ؟» [3] .
الْبَيَانُ وَالتَّوْجِيهُ:
أَفْعَالُ الْمُقَارَبَةِ تَعْمَلُ"عَمَلَ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا": فَتَرْفَعُ الاِسْمَ، وَتَنْصِبُ الْخَبَرَ، وَلَكِنَّهَا تُفِيدُ مُقَارَبَةَ الْفِعْلِ الْكَائِنِ فِي أَخْبَارِهَا، فِي حِينَ"كَانَ وَأَخَوَاتُهَا"تُفِيدُ مَعْنَى الزَّمَانِ فِي الْخَبَرِ [4] .
أَفْرَدَ النُّحَاةُ لأَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ -مَعَ مُشَابَهَتِهَا لِـ"كَانَ وَأَخَوَاتِهَا- بَابًا مُسْتَقِلاًّ؛ لأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي خَبَرِهَا مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِي خَبَرِ"كَانَ وَأَخَوَاتِهَا"، مِنْ ذَلِكَ [5] :"
أَوَّلًا: أَنْ يَكُونَ خَبَرُهَا جُمْلَةً فِعْلِيَّةً؛ لِتَدُلَّ عَلَى الْحَدَثِ.
ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مُضَارِعًا؛ لِيَدُلَّ عَلَى الْحَالِ أَوِ الاِسْتِقْبَالِ؛ وِفَاقًا لِدِلاَلَةِ"الْمُقَارَبَةِ".
ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا رَافِعًا لِضَمِيرِ الاِسْمِ؛ لأَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ إِنَّمَا جَاءَتْ؛ لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَرْفُوعَهَا هُوَ الَّذِي يَتَلَبَّسُ بِالْفِعْلِ، أَوْ يَشْرَعُ فِيهِ، لاَ غَيْرُهُ.
رَابِعًا: أَنْ يَكُونَ مُضَارِعُهَا مَقْرُونًا بِـ"أَنْ"الْمَصْدَرِيَّةَ وُجُوبًا، إِنْ كَانَ فِعْلُ الْمُقَارَبَةِ (حَرَى وَاخْلَوْلَقَ) الدَّالَّيْنِ عَلَى التَّرَجِّي؛ لأَنَّ الْمُرَجَّى وُقُوعُهُ قَدْ يَتَرَاخَى حُصُولُهُ؛ فَاحْتِيجَ إِلَى"أَنْ"الْمُشْعِرَةِ بِالاِسْتِقْبَالِ.
(1) ينظر: شرح التسهيل 1/ 390، وشرح ابن الناظم، ص:154، والتصريح على التوضيح 1/ 281.
(2) البخاري، كتاب الجنائز، باب (93) ، ح (1386) 2/ 101.
(3) البخاري، كتاب التفسير، باب (2) ، ح (4770) 6/ 111.
(4) ينظر: شرح المفصل 4/ 372، وشرح ابن الناظم، ص:153، والتصريح على التوضيح 1/ 277.
(5) ينظر: شرح التسهيل 1/ 389، وشرح ابن الناظم، ص:153، والبسيط/ لابن أبي الربيع 2/ 670، 671، والتصريح على التوضيح 1/ 277 - 282.