وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنْتُ أَسْتَثْقِلُ حَرَكَةَ الإِعْرَابِ فِي الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَاخْتِلاَفِهَا فِيهِمَا، فَلَمَّا اتَّصَلَتْ بِهِمَا تَاءُ التَّأْنِيثِ حَصَّنَتْهُمَا، وَصَارَ الإِعْرَابُ يَحُلُّ فِي تَاءِ التَّأْنِيثِ، وَلَزِمَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ الْفَتَحَ، وَالْفَتْحَةُ فِيهِمَا غَيْرُ مُسْتَثْقَلَةٍ، فَقَالَ:"عَبَايَةٌ، وَصَلاَيَةٌ، وَشَقَاوَةٌ، وَمَحَّايَةٌ".
وَالْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ قَدْ بَنَى الْكَلِمَةَ عَلَى التَّذْكِيرِ، فَجَاءَتْ تَاءُ التَّأْنِيثِ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْهَمْزُ وَالْقَلْبُ» [1] .
بَعْدَ دِرَاسَةِ هَذَا الْمَطْلَبِ تَبَيَّنَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّهُ تُبْدَلُ الْوَاوُ وَالْيَاءُ هَمْزَةً وُجُوبًا، إِذَا تَطَرَّفَتْ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ، وَهَذَا الإِبْدَالُ وَاجِبٌ -أَيْضًا- إِذَا كَانَتْ بَعْدَ الْوَاوِ أَوِ الْيَاءِ هَاءُ التَّأْنِيثِ الْعَارِضَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمُذَكَّرِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ:"عَبَاءَةٌ"شَاذٌّ؛ لأَنَّ الْيَاءَ لَيْسَتْ مُتَطَرِّفَةً؛ إِذْ إِنَّ التَّاءَ لاَزِمَةٌ، لاَ عَارِضَةٌ، فَالْقِيَاسُ أَنْ تُصَحَّحَ، فَيُقَالُ:"عَبَايَةٌ"، بِتَصْحِيحِ الْيَاءِ.
وَلَكِنْ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ شُذُوذِ"عَبَاءَةٍ"-فِي نَظَرِ الْجُمْهُورِ- فَإِنَّهَا الأَكْثَرُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ [2] : «بَابٌ هَمَزَهُ بَعْضُ الْعَرَبِ، وَتَرَكَ هَمْزَهُ بَعْضُهُمْ، وَالأَكْثَرُ الْهَمْزُ، قَالُوا:"عَظَاءَةٌ وَعَظَايَةٌ، وَصَلاَءَةٌ وَصَلاَيَةٌ، وَعَبَاءَةٌ وَعَبَايَةٌ، وَسَقَّاءَةٌ وَسَقَّايَةٌ، وَامْرَأَةٌ رَثَّاءَةٌ وَرَثَّايَةٌ» [3] ؛ لِذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمَهْمُوزَةَ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ."
ثَانِيًا: أَنَّ الْخَلِيلَ وَأَبَا الْبَقَاءِ -عَلَى وَجْهٍ- ذَهَبَا إِلَى أَنَّ قَلْبَ الْيَاءِ فِي"عَبَايَةٍ"هَمْزَةً فِي"عَبَاءَةٍ"حَدَثَ قَبْلَ دُخُولِ تَاءِ التَّأْنِيثِ عَلَيْهَا.
وَذَهَبَ الرَّضِيُّ إِلَى أَنَّ التَّاءَ فِي"عَبَاءَةٍ"غَيْرُ لاَزِمَةٍ؛ لِوُرُودِ"عَبَاءٍ"لِلْجِنْسِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ مَا جَاءَ فِي (الْمُحْكَمِ) [4] : «وَالْعَبَاءَةُ وَالْعَبَاءُ: ضَرْبٌ مِنَ الأَكْسِيَةِ، وَالْجَمْعُ"أَعْبِئَةٌ"» .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لاَ شُذُوذَ فِي"عَبَاءَةٍ".
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) شرح التصريف/ للثمانيني، ص:331، 332.
(2) ابن السِّكِّيت هو: أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق، والسِّكِّيت لقب أبيه، كان عالمًا بالقرآن، والنحو، واللغة، والشعر، وهو راوية ثقة، أخذ عن البصريين والكوفيين، وله تصانيف كثيرة منها:"إصلاح المنطق"، و"المقصور والممدود"، توفي سنة ثلاث وأربعين ومئتين (243 هـ) وقيل: (244ھ) . ينظر: إنباه الرواة 4/ 56، وإشارة التعيين، ص:386، 387، وبغية الوعاة 2/ 349.
(3) إصلاح المنطق، ص: 159.
(4) (ع ب أ) 2/ 150.