فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 1015

رُدَّ عَلَى الْكِسَائِيِّ بِالسَّمَاعِ، وَبِأَنَّ الْمَعْنَى يَفْسُدُ عَلَى تَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ؛ إِذْ يَصِيرُ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إِذْ إِنَّ هُنَاكَ مَنْ هُمْ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْهُمْ. [1]

وَعَلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْمَانِعُونَ -تَأْوِيلًا لِدَلِيلِ الْكِسَائِيِّ- إِلَى أَنَّهُ لاَ مَانِعَ مِنْ تَقْدِيرِ: إِنَّ الشَّأْنَ [2] ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: «وَقَالَ أَحْمَدُ:"الْمُصَوِّرِينَ"، هُوَ، عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، اسْمُ"إِنَّ"، وَعَلَى الأُولَى اسْمُ"إِنَّ"ضَمِيرُ الشَّأْنِ مُقَدَّرٌ فِيهِ،"الْمُصَوِّرُونَ"مُبْتَدَأٌ، وَ"مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ"خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُهُ» [3] .

يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ قَوْلَ النُّحَاةِ: «إِنَّ"مِنْ"زَائِدَةٌ» يَحْتَمِلُ تَوْجِيهَيْنِ:

فَبِالنَّظَرِ إِلَى اللَّفْظِ فَإِنَّ"زَائِدَةً"عَلَى وَزْنِ"فَاعِلَةٍ"بِمَعْنَى:"مَفْعُولَةٍ"، أَيْ: مَزِيدَةٍ.

وَبِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى فَإِنَّ"زَائِدَةً"عَلَى بَابِهَا، أَيْ: إِنَّهَا اسْمُ فَاعِلٍ جِيءَ بِهِ لِيَزِيدَ الْمَعْنَى قُوَّةً وَتَأْكِيدًا.

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ"مِنْ"تُزَادُ فِي اللَّفْظِ؛ لِتَأْكِيدِ الْمَعْنَى؛ فَلاَ تَعَارُضَ بَيْنَ الْقَوْلِ بِزِيَادَتِهَا، وَدِلاَلَتِهَا عَلَى التَّأْكِيدِ، فَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.

ثَانِيًا: أَنَّ ابْنَ مَالِكٍ فِي (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) [4] وَجَّهَ قَوْلَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ (كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوًا مِنْ كَذَا» [5] بِزِيَادَةِ"مِنْ"الَّتِي فِي قَوْلِهَا:"مِنْ قِرَاءَتِهِ"، فَقَالَ: «أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَضَبَطَهُ بِضَبْطِهِ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ بِنَصْبِ"نَحْوًا"عَلَى زِيَادَةِ"مِنْ"، وَجَعَلَ"قِرَاءَتَهُ"فَاعِلًا نَاصِبًا"نَحْوًا"، وَالأَصْلُ: فَإِذَا بَقِيَ قِرَاءَتُهُ نَحْوًا مِنْ كَذَا» .

(1) ينظر: شفاء العليل في إيضاح التسهيل 1/ 354، وبناء الجملة في الصحيحين، ص:222، 223.

(2) ينظر: ينظر: الديباج 5/ 151.

(3) شرح سنن النسائي 8/ 212. وينظر: مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:208، وإعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج 1/ 204، ومشكل إعراب القرآن 2/ 70.

(5) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب (20) ح (1119) بلفظ: «نَحْوٌ» بالرفع، وفي هامش (6) : وروي"نحوا"بالنصب 2/ 48، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب (16) ، ح 112 - (731) بلفظ: « ... فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاَثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً .... » 1/ 505. ولا شاهد في هذين اللفظين بزيادة"مِنْ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت