خَامِسًا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْوَاقِعُ خَبَرًا مُجَرَّدًا مِنْ"أَنْ"وُجُوبًا، إِذَا كَانَ فِعْلُ الْمُقَارَبَةِ دَالاًّّ عَلَى الشُّرُوعِ، نَحْوُ"طَفِقَ".
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَجِيءَ خَبَرِ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ فِعْلًا مَاضِيًا شَاذٌّ. [1]
وَالْمُسَوِّغُ لِجَعْلِ خَبَرِ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ فِعْلًا مَاضِيًا شُذُوذًا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى الأَصْلِ: أَيْ: إِنَّ الأَصْلَ فِي خَبَرِ"كَانَ وَأَخَوَاتِهَا"، وَفِي خَبَرِ مَا يُشْبِهُهَا: أَنْ يَقَعَ مُفْرَدًا، أَوْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، أَوْ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، أَوْ ظَرْفًا، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ عَنِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ: « .... تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلاَمُ وُقُوعَ خَبَرِ"جَعَلَ"الإِنْشَائِيَّةِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُصَدَّرَةً بِـ"كُلَمَّا"، وَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضَارِعًا، كَغَيْرِهَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ، فَيُقَالُ:"جَعَلْتُ أَفْعَلُ كَذَا"، وَلاَ يُقَالُ:"جَعَلْتُ كُلَّمَا شِئْتُ فَعَلْتُ"، وَلاَ نَحْوُ ذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي*** ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرِ [2]
فَمَا جَاءَ هَكَذَا فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلاِسْتِعْمَالِ الْمُطَّرِدِ، وَمَا جَاءَ بِخِلاَفِهِ فَهُوَ مُنَبِّهٌ عَلَى أَصْلٍ مَتْرُوكٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَ الإِنْشَاءِ وَسَائِرَ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ مِثْلُ"كَانَ"فِي الدُّخُولِ عَلَى مُبْتَدَإٍ وَخَبَرٍ: فَالأَصْلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهَا مِثْلَ خَبَرِ"كَانَ"فِي وُقُوعِهِ مُفْرَدًا، وَجُمْلَةً اسْمِيَّةً، وَجُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وَظَرْفًا، فَتُرِكَ الأَصْلُ، وَالْتُزِمَ كَوْنُ الْخَبَرِ فِعْلًا مُضَارِعًا، ثُمَّ نُبِّهَ شُذُوذًا عَلَى الأَصْلِ الْمَتْرُوكِ ... » [3] .
وَافَقَ الشُّرَّاحُ عَلَى شُذُوذِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، قَالَ الْعَيْنِيُّ عَنِ الْحَدِيثِ «فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ وَقَعَ» : « ... خَبَرُ"جَعَلَ"هُنَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، مُصَدَّرَةٌ بِـ"كُلَّمَا"، وَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضَارِعًا، كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ، وَلَكِنْ تُرِكَ الأَصْلُ شُذُوذًا، كَمَا وَقَعَ هُنَا جُمْلَةً مِنْ فِعْلٍ مَاضٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ» [4] .
(1) ينظر: شرح ابن الناظم، ص:154.
(2) البيت من البسيط، ينسب لعمرو بن أحمر الباهلي، في: التصريح على التوضيح 1/ 280، 281، والخزانة 9/ 359، 361، برواية السَّكِرِ"، والدرر اللوامع 1/ 102، ونسب للحكم بن عبدل الأسدي، ولأبي حية النميري في: إيضاح شواهد الإيضاح 1/ 77، وبلا نسبة في: الكافي في الإفصاح 2/ 352، والمغني 2/ 290،."
(3) شواهد التوضيح، ص: 78، 79.وينظر: التنقيح 2/ 472، وشرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 8/ 383، 384.
(4) عمدة القاري 8/ 217.وينظر: إرشاد الساري 3/ 491.