فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1015

اتَّضَحَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ تَسْمِيَّةَ"أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ"بِهَذَا الاِسْمِ، مِنْ بَابِ تَسْمِيَّةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ [1] ؛ لأَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ [2] :

1 -مَا يَدُلُّ عَلَى رَجَاءِ الْفِعْلِ، أَيْ: رَجَاءُ الْمُتَكَلِّمِ حُصُولَ الْخَبَرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَفْعَالٍ:"عَسَى، وَحَرَى، وَاخْلَوْلَقَ".

2 -مَا يَدُلُّ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ كَثِيرٌ، أَنْهَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ فِعْلًا، مِنْهَا:"أَخَذَ، وَأَنْشَأَ، وَجَعَلَ، ....".

3 -مَا يَدُلُّ عَلَى مُقَارَبَةِ الْفِعْلِ فِي الإِمْكَانِ، وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَفْعَالٍ:"كَادَ، وَكَرَبَ، وَأَوْشَكَ".

وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِنْكَارُ الرَّضِيِّ أَنْ يَكُونَ"عَسَى"وَ"طَفِقَ"وَمَا يُرَادِفُهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ؛ مُسْتَدِلًا بِأَنَّهُمَا لاَ يَدُلاَّنِ عَلَى الْمُقَارَبَةِ. [3]

ثَانِيًا: أَنَّ أَفْعَالَ الْمُقَارَبَةِ تَعْمَلُ عَمَلَ"كَانَ وَأَخَوَاتِهَا"، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تُلْحَقْ بِهَا فِي بَابٍ وَاحِدٍ؛ لاِنْحِصَارِ خَبَرِهَا فِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ فَقَطْ، خِلاَفًا لِلأَصْلِ فِي أَخْبَارِ"كَانَ وَأَخَوَاتِهَا"وَمَا يُشْبِهُهَا، وَهُوَ جَوَازُ مَجِيئِهَا مُفْرَدًا، أَوْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، أَوْ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، أَوْ ظَرْفًا.

وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ مِنْ بَابِ حَطِّ الْفَرْعِ عَنِ الأَصْلِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ.

ثَالِثًا: أَنَّ خَبَرَ"جَعَلَ"-وَأَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ عَامَّةً- إِذَا جَاءَ فِعْلًا مَاضِيًا فَهُوَ شَاذٌّ؛ لِتَعَارُضِ دِلاَلَتَيْهِمَا؛ لأَنَّ الْخَبَرَ هُنَا يَجِبُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْحَالِ أَوِ الاِسْتِقْبَالِ.

وَمِمَّا شَذَّ -أَيْضًا- فِي خَبَرِ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ: مَجِيئُهُ مُفْرَدًا، كَمَا فِي قَوْلِ الرَّاجِزِ:

أَكْثَرْتَ فِي الْعَذْلِ مُلِحًّا دَائِمًا***لاَ تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسِيتُ صَائِمًا [4]

وَقَوْلِ الْعَرَبِ:"عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا" [5] ، وَقَوْلِهِمْ:"عَسَى زَيْدٌ قَائِمٌ"، وَ"عَسَى زَيْدٌ قَائِمًا"، قَالَ أَبُو حَيَّانٍ: «حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ [6] ، عَنْ ثَعْلَبٍ، قَالَ: كَلاَمُ الْعَرَبِ:

(1) ينظر: التصريح على التوضيح 1/ 277.

(2) ينظر: شرح التسهيل 1/ 389، وابن الناظم، ص:153، والتصريح على التوضيح 1/ 277.

(3) ينظر: شرح الكافية 4/ 211.

(4) البيتان من الرجز بلا نسبة في: المسائل الحلبيات، ص:251، وشرح التسهيل 1/ 313، وشرح ابن الناظم، ص:153، وشرح أبيات المغني 3/ 341، والدرر اللوامع 1/ 107.

(5) المثل في: الكتاب 3/ 158، والمقتضب 3/ 72، ومجالس ثعلب، ص:209، 307، وإيضاح الشعر، ص:537، وجمهرة الأمثال 2/ 50، ومجمع الأمثال 2/ 17، والمستقصى في الأمثال 2/ 161، وشرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 838، والمقرب، ص:109، والكافي في الإفصاح 3/ 668 منسوبا للزباء، والمجموع المغيث (ع س ا) ، ومصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:768، وظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:294، 295.

وفي"أَبْؤُسًا"تخريجات أخرى غير الخبرية تنظر في: المقتضب 3/ 70، والكافي في الإفصاح 3/ 672، 673، والتصريح على التوضيح 1/ 278، 279.

والْغُوَيْرُ: تصغير"غار"أو"غور". وأبؤس: جمع"بأس"أو"بؤس"بمعنى الشدة.

(6) أبو عمر الزاهد هو: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، المعروف بـ"غلام ثعلب"، ولد سنة إحدى وستين ومئتين (261 هـ) ، وهو إمام حافظ للغة والحديث، توفي سنة خمس وأربعين وثلاث مئة (345 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 3/ 171 - 177، وإشارة التعيين، ص:326، 327، وبغية الوعاة 1/ 164 - 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت