يُسْتَخْلَصُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَمْرِ عُمُومًا أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ اللاَّمُ فِي أَوَّلِهِ؛ وَذَلِكَ لإِفَادَةِ مَعْنَى الأَمْرِ؛ إِذِ الْحُرُوفُ هِيَ الْمَوْضُوعَةُ لإِفَادَةِ الْمَعَانِي، كَـ"لاَ"فِي النَّهْيِ، وَ"لَمْ"فِي النَّفْيِ.
وَتُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صِيغَةُ الْمُخَاطَبِ الْمَعْلُومِ مِنَ الأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ -غَالِبًا- بِغَيْرِ لاَمِ الأَمْرِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ أَمْرِ الْمُخَاطَبِ فِي كَلاَمِهِمْ، أُسْقِطَتِ اللاَّمُ مِنْ أَوَّلِهِ، ثُمَّ خُشِيَ مِنَ الْتِبَاسِ الأَمْرِ بِالْخَبَرِ؛ فَحَذَفُوا حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ، وَعُدَّ اتِّصَالُ اللاَّمِ بِهِ رُجُوعًا إِلَى أَصْلٍ قَلِيلِ الاسْتَعْمَالِ.
وَيُسْتَنْتَجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ لَيْسَ مِمَّا يَسُوغُ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنَّمَا فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ أُصُولٌ مَرْفُوضَةٌ، أَوْ قَلِيلٌ اسْتِعْمَالُهَا، كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
ثَانِيًا: أَنَّ أَمْرَ الْمُتَكِلِّمِ نَفْسَهُ بِاللاَّمِ أَوْ غَيْرِهَا قَلِيلٌ -أَيْضًا- لاَ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ؛ لأَنَّ لاَمَ الأَمْرِ تَلْزَمُ فِعْلَ غَيْرِ الْمُخَاطَبِ، وَإِنَّمَا قِلَّتُهُ مِنْ حَيْثُ الاسْتِعْمَالُ؛ لأَنَّ أَمْرَ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ نَادِرُ الْوُقُوعِ، وَإِذَا وُجِدَ فَهُوَ طَرِيفٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْتِيمٍ وَزِيَادَةِ الاهْتِمَامِ بِالأَمْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْقَلِيلَ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَفْصَحَ وَأَبْلَغَ مِنَ الْكَثِيرِ، مِنْ ذَلِكَ أَمْرُ الْمُتَكِلِّمِ نَفْسَهُ عِنْدَ إِرَادَةِ الالْتِزَامِ وَالاهْتِمَامِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، مَعَ قِلَّةِ وُجُودِهِ فِي الْكَلاَمِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.